فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 81

أرى الحلم في بعض المواطن ذلّةً ... وفي بعضها عزًّا يُشرَّف فاعله

إذا أنت لم تدفع بحلمك جاهلًا ... سفيهًا ولم تقرنْ به من يُجاهله

لبست له ثوب المذلّة صاغرًا ... فأصبح قد أودى بحقِّك باطله

فأبق على جُهال قومك إنه ... لكلِّ حليمٍ موطنٌ هو جاهله

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (استوصوا بالغوغاء خيرًا، فإنهم يطفئون الحريق، ويسُدُّون البثوق) .

وقال أبو سلمى في الجاهلية:

لا بدَّ للسُّودد من رماح ... ومن عديد يُتَّقى بالراح

ومن كلابٍ جمّة النُّباح

وقال مسلم بن الوليد:

حلفتُ لئن لم تلقني سفهاؤها ... خُزاعة والحيَّان عوفٌ وأسلمُ

لأرتجعنَّ الودَّ بيني وبينها ... بقافيةٍ تفري العروق فتحسمُ

من اللاء لا يرجعن إلا شواردًا ... لهنَّ بأفواه الرجال تهمْهمُ

أصابوا حليمًا فاستعدُّوا بجاهل ... إذا الحلم لم يمنعك فالجهل أحزمُ

ولم نستقص الأبواب كلها بالمعارضة في هذا الكتاب، ولو استقصينا

لطالت بنا الأيام وتراخت الليالي إلى بلوغ الغاية في تمام الكتاب. وإنما ذكرنا من كل باب عرض فيه ما دلّ على معناه الذي إليه قُصد.

ولم نر الحسد أمر به أحدٌ من العرب والعجم في حالٍ من الأحوال، ولا ندب إليه ونبَّه عليه. وقد نُبِّه على العداوة وفُصِّل بين أحوالها بما قد بيَّنَّاه، فظهر فضلها على الحسد بذلك.

وكنت امرأً قليل الحساد حتى اعتصمتُ بعروتك، واستمسكت بحبلك واستذريت في ظلّك، فتراكم على الحساد وازدحموا، ورموني بسهامهم من كل أوبٍ وأفق، وتتايعوا عليَّ تتايع الدَّثْر على مشتار العسل. ولئن كثروا لقد كثر بهبوب ريحك إخواني، وبنضرة أيامك وزهرة دولتك خُلاَّني. وأنا كما قلت:

فأكثرت حُسَّادي وأكثرت خُلَّتي ... وكنت وحُسَّادي قليلٌ وخُلاَّني

فلما بلغت هذا الفصل من تأليف هذا الكتاب دخل عليَّ عشرة نفرٍ من الكتاب قد شملهم معروفك، ورفع مراتبهم جميلُ نظرك، فهم من طاعتك والمحبّة لك على حسب ما أوليتهم من إحسانك وجزيل فوائدك، فأفاضوا في حديثٍ من أحاديث الحسد، فشعَّب لهم ذلك الحديث شعوبًا

افتنُّوا فيها - والحديث ذو شجون - فما برحوا حتَّى أتتني رقعة أناسيةٍ من الحساد فيها سهام الوعيد، ومقدمات التهديد والتحذير والتخويف، للطَّعن على ما ألَّفت من الكتب إن أنا لم أضمن لهم الشركة فيما يُجرى عليّ، فدفعت رُقعتهم إلى من قرب إليَّ منهم، فقرأها ثم قال: (قاتلهم الله! أبظلمٍ يرمون النيل ويلتمسون الشركة في المعروف! لنزع الرُّوح بالكلاليب أهون من بذل معروفٍ بترهيب) . وأنشأ يقول:

أبقي الحوادث من خلي ... لك مثل جندلة المراجمْ

قد رامني الأعداء قب ... لك فامتنعت من المظالم

ودفعها إلى من قُرب منه فقرأها. وقال الثاني: (صكَّة جُلمود، لكل مُرعدٍ حسود، يمستطر العرف بالتهديد. خلِّ الوعيد، يذهب في البيد) . وأنشأ يقول:

أبرقْ وأرعدْ يا يزي ... د فما وعيدُك لي بضائرْ

ودفعها إلى الثالث فقرأها وقال: (سألوا ظلما، وخوَّفوا هضمًا، لقوا حربًا ولقيت سلما) . وأنشأ يقول:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا ... أبشرْ بطول سلامة يا مربعُ

ودفعها إلى الرابع فقرأها وقال: (قول الذَّليل وبوله سيَّان) . وأنشأ يقول:

ماضرَّ تغلب وائلٍ أهجوتها ... أم بُلت حيث تناطح البحران

ودفعها إلى الخامس فقرأها وقال: (نهيق الحمار، ودمُ الأعيار جُبارٌ جُبار) . وأنشأ يقول:

ما أُبالي أنبَّ بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم

ودفعها إلى السادس فقرأها وقال: (إذا عَلِقتك الأمجاد، فليهُنْ عليك الحساد) . وانشأ يقول:

إذا أهل الكرامة أكرموني ... فلا أخشى الهوان من اللئام

ودفعها إلى السابع فقرأها وقال: (كيف يخاف الصُّرعة، من هو في ذي المنعة) . وأنشأ يقول:

كم تنبحون وما يغني نباحكم ... ما يملك الكلب غير النَّبح من ضرر

ودفعها إلى العاشر فقرأها وقال: (نوكى هلكى، لم يعرفوا خبرك، ولا دروْا أمرك) . وأنشأ يقول:

فلو علم الكلاب بنو الكلاب ... بحالك عند سِّيدنا لذلُّوا

وعندي صديقٌ لي من السُّوقة له أدبٌ، فقال لي بعقب فراغهم مُسرًّا: إن هؤلاء الكتاب قد أظهروا الاستخفاف بقول الحُسّاد، وضربوا الأمثال في هوانهم عليك، وعرفوا أنَّك في منعة من عزِّ أبي الحسن أطال الله بقاءه، ومعقلٍ لا يُسامى ولا يُنال. وأنا أقول بالشُّفعة:

توقَّ قومًا من الحُسَّاد قد قصدوا ... لحطِّ قدرك في سرٍّ وفي علنِ

فقلت له: إنّي أقول بيتين هما جوابك وجواب الحُسَّاد:

إنَّ ابن يحيى عبيد الله أمّنني ... من الحوادث بعد الخوف من زمني

فلست أحذر حُسَّادي وإن كثروا ... ما دمت مُمسك حبلٍ من أبي الحسن

فلما رأى صديقي اقتفائي آثار الكتاب، باستهانتي للحساد عند اعتلاقي

حبائلك أعزك الله، أنشأ متمثِّلًا بقول نصر بن سيار:

إنِّي نشأت وحُسَّادي ذوو عددٍ ... ياذا المعارج لا تنقض لهم أحدًا

إنْ يحسدوني على ما قد بنيت لهم ... فمثل حُسن بلائي جرَّ لي الحسدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت