الغلمان خلقا وخلقا، فقال الملك: أحق ما تقول: فأقسم الوزير أن نعم، ثم قال: أيها الملك إن في الولد روحانية تشهد بأبوة الأب وفي الوالد روحانية تشهد ببنوة الإبن، لا يكاد ذلك ينخرم أبدا، وإنني آتي بهذا الغلام بين عشرين غلاما في سنه وهيئته ولباسه، وكلهم ذوو آباء معروفين خلا هو. وإني أعطي كل واحد منهم صولجانا وكرة وآمرهم أن يلعبوا بين يديك في مجلسك هذا، ويتأمل الملك صورهم، وخلقتهم وشمائلهم، فكل من مالت إليه نفسه وروحانيته فهو هو، فقال الملك: نعم التدبير الذي قلت.
فأحضرهم الوزير على هذه الصورة ولعبوا بين يدي الملك، فكان الصبي منهم إذا ضرب الكرة وقربت من مجلس الملك تمنعه الهيبة أن يتقدم ليأخذها إلا شاه بور، فإنه كان إذا ضربها، وجاءت عند مرتبة أبيه تقدم، فأخذها ولا تأخذه الهيبة منه، فلاحظ أردشير ذلك منه مرارا، فقال أيها الغلام ما اسمك؟ قال: شاه بور، فقال له: صدقت أنت ابني حقا، ثم ضمه إليه وقبله بين عينيه.
فقال له الوزير: هذا هو ابنك أيها الملك، ثم أحضر بقية الصبيان ومعهم عدول فأثبت لكل صبي منهم والدا بحضرة الملك، فتحقق الصدق في ذلك، ثم جاءت الجارية وقد تضاعف حسنها وجمالها، فقبلت يد الملك، فرضي عنها.
فقال الوزير: أيها الملك قد دعت الضرورة في هذا الوقت إلى إحضار الحق المختوم، فأمر الملك بإحضاره، ثم أخذه الوزير وفك ختمه وفتحه فإذا فيه ذكر الوزير وأنثياه مقطوعة مصانه فيه من قبل أن يتسلم الجارية من الملك، وأحضر عدولا من الحكماء وهم الذين كانوا فعلوا به ذلك، فشهدوا عند الملك بأن هذا الفعل فعلناه به من قبل أن يتسلم الجارية بليلة واحدة، قال: فدهش الملك أردشي روبهت لما أبداه هذا الوزير من قوة النفس في الخدمة، وشدة مناصحته، فزاد سروره وتضاعف فرحه لصيانة الجارية وإثبات نسب الولد ولحوقه به، ثم إن الملك عوفي من مرضه الذي كان به وصح جسمه، ولم يزل يتقلب في نعمه وهو مسرور بابنه إلى أن حضرته الوفاة، ورجع الملك إلى ابنه شاه بور بعد موت أبيه، وصار ذلك الوزير يخدم ابن الملك أردشير وشاه بور يحفظ مقامه ويرعى منزلته حتى توفاه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.