فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 505

وأما الرفادة في الحج:

فكانت خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم إلى قصي، فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيوف الله، وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا وكانوا يخرجون ذلك كل عام من أموالهم، فيدفعونه إليهم. وقيل: أول من أقام الرفادة عبد المطلب وهو الذي حفر بئر زمزم وكانت مطمومة، واستخرج منها الغزالين الذهب اللذين عليهما الدر والجوهر وغير ذلك من الحلى وسبعة أسياف وخمسة دروع سوابغ، فضرب من الأسياف باب الكعبة وجعل أحد الغزالين الذهب صفائح الذهب وجعل الآخر في الكعبة.

واعلم وفقني الله وإياك إنه لم يسمع بعجب أعظم من عجب سعيد بن زرارة وعبد الله بن زياد التميمي وابن سماك الأسدي الذين ضرب بهم المثل. فأما سعيد بن زرارة فقيل: إنه مرت به امرأة فقالت له: يا عبد الله كيف الطريق إلى مكان كذا، فقال لها: يا هنتاه مثلي يكون من عبيد الله؟ وأما عبد الله بن زياد التميمي، فقيل: إنه خطب الناس بالبصرة فأحسن وأوجز، فنودي من نواحي المسجد كثّر الله فينا مثلك، فقال: لقد كلفتم الله شططا. وأما ابن سماك، فإنه أضل راحلته فالتمسها فلم توجد فقال: والله لئن لم يرد راحلتي عليّ لا صليت له أبدا. فوجدت وقد تعلق زمامها ببعض أغصان الشجر، فقيل له: قد رد الله عليك راحلتك فصل. فقال: إنما كانت يميني يمينا قصدا. فانظر رحمك الله إلى هذا العجب كيف ذهب بهم حتى أفضى بهم إلى الكفر وصاروا حديثا مستبشعا ومثلا بين العالمين مستشنعا، نعوذ بالله من الخذلان المؤدي إلى النيران ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حكي عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه قيل له: كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل إن الله أظفرني بأناس بلغني الأمل فيهم، وأعانني على الانتقام منهم، فكنت أتقرب إليه بدمائهم، فقيل له: من هم؟ فذكر هؤلاء الثلاثة وذكر حديثهم ولا محالة أنها من محاسن الحجاج، وإن قلّت في جنب سيئاته. والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت