(أَقْوَال الْحُكَمَاء فِي الصَّبْر)
يحْكى عَن أنوشروان، أَنه قَالَ: جَمِيع المكاره فِي الدُّنْيَا، تَنْقَسِم على ضَرْبَيْنِ، فَضرب فِيهِ حِيلَة، فالاضطراب دواؤه، وَضرب لَا حِيلَة فِيهِ، فالاصطبار شفاؤه.
كَانَ بعض الْحُكَمَاء يَقُول: الْحِيلَة فِيمَا لَا حِيلَة فِيهِ، الصَّبْر.
وَكَانَ يُقَال: من اتبع الصَّبْر، اتبعهُ النَّصْر.
وَمن الْأَمْثَال السائرة: الصَّبْر مِفْتَاح الْفرج، من صَبر قدر، ثَمَرَة الصَّبْر الظفر، عِنْد اشتداد الْبلَاء يَأْتِي الرخَاء.
وَكَانَ يُقَال: تضايقي تنفرجي.
وَكَانَ يُقَال: إِذا اشْتَدَّ الخناق انْقَطع.
وَكَانَ يُقَال: خف المضار، من خلل المسار، وارج النَّفْع، من مَوضِع الْمَنْع، واحرص على الْحَيَاة، بِطَلَب الْمَوْت، فكم من بَقَاء سَببه استدعاء الفنان.
وَمن فنَاء سَببه إِيثَار الْبَقَاء، وَأكْثر مَا يَأْتِي الْأَمْن من قبل الْفَزع.
وَالْعرب تَقول: إِن فِي الشَّرّ خيارا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مَعْنَاهُ، أَن بعض الشَّرّ أَهْون من بعض.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ، إِذا أصابتك مُصِيبَة، فَاعْلَم أَنه قد يكون أجل مِنْهَا، فلتهن عَلَيْك مصيبتك.
قَالَ بعض الْحُكَمَاء: عواقب الْأُمُور، تتشابه فِي الغيوب، فَرب مَحْبُوب فِي مَكْرُوه، ومكروه فِي مَحْبُوب، وَكم مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه، ومرحوم من دَاء هُوَ شفاؤه.
وَكَانَ يُقَال: رب خير من شَرّ، ونفع من ضرّ.
وَرُوِيَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا، قَالَ: يَابْنَ آدم، لَا تحمل هم يَوْمك الَّذِي لم يَأْتِ، على يَوْمك الَّذِي أَتَى، فَإِنَّهُ إِن يكن فِي عمرك، يأتك الله فِيهِ بمحبتك، وَاعْلَم أَنَّك لن تكسب شَيْئا سوى قوتك، إِلَّا كنت فِيهِ خَازِنًا لغيرك بعد موتك.
وَقَالَ ودَاعَة السَّهْمِي، فِي كَلَام لَهُ: اصبر على الشَّرّ إِن قدحك، فَرُبمَا أجلى عَمَّا يفرحك، وَتَحْت الرغوة اللَّبن الصَّرِيح.