أعظم النعمتين وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها فالرب تعالى يبتلي بنعمه وينعم بابتلائه غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحس والحركة أيهما أفضل وعن الطعام والشراب أيهما أفضل وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل فالمأمور لا يؤدى إلا بصبر وشكر والمحظور لا يترك إلا بصبر وشكر وأما المقدور الذي يقدر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره
ومما يوضح هذا أن الله سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما في الله فهو في كل وقت في مجاهدة نفسه حتى تأتي بالشكر المأمور به ويصبر عن الهوى المنهي عن طاعته فلا ينفك العبد عنهما غنيا كان أو فقيرا معافى أو مبتلى وهذه هي مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل وللناس فيها ثلاثة أقوال
وهي التي حكاها أبو الفرج ابن الجوزي وغيره في عموم الصبر والشكر أيهما أفضل وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها
والتحقيق أن يقال أفضلهما أتقاهما لله تعالى فإن فرض استوائهما في التقوى استويا في الفضل فإن الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء وإنما فضل بالتقوى كما قال تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
وقد قال لا فضل لعربي على عجمي ولا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب والتقوى مبنيه على أصلين الصبر والشكر وكل من الغني والفقير لا بد له منهما فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل
فإن قيل فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغني أتم فأيهما أفضل؟.
قيل أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله ولا يصح التفضيل بغير