اذكر يا محمد وقت قول الحواريين أصحاب عيسى المخلصين إذ قالوا لعيسى:
هل يفعل ربّك ويرضى أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء.
والمقصود بكلمة الاستطاعة، مع أن الطلب صادر من الحواريين وهم مؤمنون يعلمون أن الله قادر على كلّ شيء: أنه هل يفعل ذلك، وهل يجيبك إلى مطلبك أو لا؟ فأرادوا علم المعاينة والمشاهدة والاطمئنان بعد توافر الاعتقاد والعلم بقدرة الله تعالى، كما قال إبراهيم عليه السّلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة 2/ 260] ، لأن علم النّظر والخبر قد تدخله الشّبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة المحسوس لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا كما قال إبراهيم: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة 2/ 260] قال السّدّي: هل يستطيع ربّك أي هل يطيعك ربّك إن سألته، وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع، والسّين زائدة.
وقال الطّبري: الأولى في المعنى عندي بالصّواب: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه.
وقال بعضهم: في الآية محذوف على قراءة: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ وتقديره: هل تستطيع سؤال ربّك؟ فأجابهم عيسى: اتّقوا الله أن تطلبوا مثل هذا الطلب الذي يشبه ما طلبه الإسرائيليون من موسى عليه السّلام، إن كنتم مؤمنين أي إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.
قالوا معتذرين عن سؤالهم: نريد أن نأكل منها فنحن بحاجة إلى الطّعام، وتزداد قلوبنا اطمئنانا ويقينا بقدرة الله وبصدق نبوّتك لأن علم الحسّ والمشاهدة أقوى دلالة على المطلوب من العلم النظري القائم على التسليم بالبراهين، ونكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل الذين لم يحضروها، أو نكون من الشاهدين لله بالوحدانية وبكمال القدرة، ولك بالنّبوة، فيكون ذلك سببا للإيمان أو ازدياد الإيمان.
وإنما سأل عيسى وأجيب، ليلزموا الحجّة بكمالها، ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا.
قال عيسى: يا ربّنا المالك أمرنا والمتولّي شؤوننا، أنزل علينا مائدة من السماء يراها هؤلاء، وتكون لنا عيدا أي يكون يوم نزولها عيدا، قيل: هو يوم الأحد، ومن ثم اتّخذه النّصارى عيدا.