على أن يجمع في نفسه ثلاثة شروط؛ فقها بالحكم، وفقها بالواقع، وفقها بطريقة تنزيل الحكم على الواقع.
8)وبإسقاط الجهاد خوفا من التهلكة؛ خسرنا المال وأهلكنا الولد ووقعنا في التهلكة:
متناسين أن الإسلام قد قفل الباب أمام المتقاعسين عن الجهاد بدعوى ما فيه من ظاهر تهلكة.
ففي جامع الترمذي بسنده عن أَسْلَمَ أَبي عِمْرَان التّجِيبيّ قالَ: (كُنّا بِمَدِينَةِ الروّمِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الروّمِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ وَعَلى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المسْلمِينَ عَلَى صَفّ الروّمِ حَتّى دَخَلَ عَلَيهِمْ، فَصَاحَ النّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ الله يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيّوبَ الأنْصَارِيّ فَقَالَ: يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّكُمْ لَتُأَوّلُونَ هَذِهِ الاَيَة هَذَا التّاوِيلُ، وَإنّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الاَيَة فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، لَمّا أَعَزّ الله الإسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضِ سِرّا دُونَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أَمْوَالَناَ قَدْ ضَاعَتْ، وَإنّ الله قَدْ أَعَزّ الإسْلاَمَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فأَصْلَحْنَا مَا ضَاع مِنْهَا، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدْ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا بقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا في سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيِكُمْ إلَى التّهْلُكَةِ} ، فَكَانَتْ التّهْلُكَةُ الإقَامَةَ عَلَى الأمْوَالِ وَإصْلاَحَهَا وَتَرْكَنَا الغَزْوَ. فَمَا زَالَ أَبُو أَيّوبَ شَاخِصًا في سَبِيلِ الله حَتّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرّمِ) [قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ] .
وعقب الإمام الصنعاني في كتابه"سبل السلام"بقوله: (وصرح الجمهور: إذا كان لفرط شجاعته يظن أنه يرهب العدو أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فهو ممنوع، لا سيما إن ترتب على ذلك وهن المسلمين) . اهـ
ومن ثم ينبغي أن نقول إن حركة الجهاد في الإسلام ليست في أي وضع من أوضاعها حركة انتحارية ينساق إليها الإنسان بمحض سخطه على الأوضاع التي يرفضها الإسلام بصرف النظر عن نتائج هذه الحركة كما يراد لها أن تكون على هذه الأرض ...
إنه حركة محكومة بقوله تعالى: {وَأَنْفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقوا بِأَيْديكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ} ، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ} ، وَأَعِدّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ