الصفحة 3 من 4

أيود أحدكم أن تكون له حسنات ثم ينتكس فيعمل بالسيئات، فيُذهب ما سبق، أيود أحدكم أن تكون له صدقات فلا يزال يُغير على حسنات صدقاته بالرياء والمن والأذى، حتى لا يبقي منها شيئًا، فإذا جاء يوم القيامة أحوج ما يكون إليها وقد قربت الجنةُ والنار، وجُمع المؤمنون والكفار والبررة والفجار، ووضع الكتاب وجيء بالنبيين، وحاصرت الملائكة بأطواقها الثقلين من الجن والأنس، وضع الكتاب والميزان، وجاء وهو يرى ما أمامه من نار تلظى، يسمعون لها زفيرًا وشهيقًا، الآن أشد الحاجة أشد الحاجة إلى الحسنات، حسنات تنجيه، ومن النار تقيه وفي الجنةِ تدخلهُ، لكن لا شيء هباءً منثورًا، فيقول لنا:"أيها العباد أُثبتوا على الطاعة، يا أيها المسلمون استمروا على الدين لا تغيروا، لا تبدلوا، لا تنتكسوا، لا تنكسوا على العقبين، لا ترتدوا، اعملوا أعمالًا خالصة له حتى تلقوها عنده، وهو كريم يضاعف لمن أخلص له."

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اجعلنا ثابتين على الحق حتى نلقاك يا رب العالمين، نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا بدينك مستمسكين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله أشهد أن لا إله إلا الله، وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أكبر، وأشهد أن محمدًا عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، الرحمة المهداة البشير والنذير والسراج المنير، صاحب الحوض المورود، والمقام والشافع المشفع في اليوم المشهود اللهم صلِ وسلم وبارك عليه وعلى ذريته الطيبين وآله وأصحابه الميامين وأزواجه وخلفاءه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض اللهم عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

مثال الحور بعد الكور

عباد الله:

هذه قضية الثبات على الدين، وعدم التغيير والتبديل، هذه قضية التمسك بالدين وعدم الضلالة بعد الهداية، هذه قضية الاستعاذة من الحور بعد الكور، الذي كان عليه - عليه الصلاة والسلام - يقوله في دعائه:"والحور النقص والكور الزيادة"، هذه قضية خطيرة جدًا، كم من الناس اليوم يضلون، يسافر الخارج ينحرف، يدخل في سن المراهقة ينتكس، يكون مستقيمًا فيتعرف على امرأة فتزله في النار، يقرأ رواية من الروايات، يشاهد فلمًا من الأفلام، يدخل على موقع من المواقع، ما بالنا اليوم نجد في بعض المسلمين إلحادًا وانتكاسًا، لماذا؟

فتزل قدماٌ بعد ثبوتها، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَاحفظ القرآن، فهم الآيات، آتيناه: أعطيناه، وهبناه، يسر لنا له، آتيناه آياتنا، ما ينقصه علم، لكن ما الذي حصل بعد الإيتاء وبعد النعمة العظيمة، آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا، أرأيتم انسلاخ الحية من جلدها، أرأيتم ذلك الخروج الكلي، آتيناه آياتنا فانسلخ منها، ما ترك آية أو آيتين أو سور، أو بعض الأحكام، انسلاخ، والآن بعض المسلمين يتنصر، أو يكفر انسلاخ، فانسلخ: تعبير قرآني مدهش، فانسلخ منها، ترك كلي، فإذا انسلخ منها هل سيتركه الشيطان بمفرده؟ لا، أول ما يقرر لما غووا أغويناهم، وإلا الله ما يغوي بدون إرادة الشر من العبد، الله لا يكافئ من آتاه آياته، يؤتي رجل آياته ثم يضله، لا هو، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى سورة فصلت 17،فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ سورة الصف 5، ولذلك انسلخ منها فاتبعه الشيطان، وتأمل في كلمة:"اتبعه"ما يترك الشيطان أبدًا مثل هذه الفرائس، اتبعه، اتبعه، حذو القذة بالقذه، واتبعه في اللغة:"يعني لحقه فأدركه وليس مجرد سار وراءه، وفرعون وجنوده، قال الله: فَأَتْبَعُوهُم سورة الشعراء 60 يعني: لحقوهم وأدركوهم، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، في فرق بين عصى ربه وغوى، وبين الغاويين، هذا غاوي لنفسه ليس غوى مرة، أو غوى جزئيًا، لا فكان من الغاوين، اسم فاعل: الغاويين، غوى غاوي غواية، أثيمة، أليمة، مصيبة، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، يعني: بالآيات، فالقرآن يرفع، والانتكاس هذا والضلال يهبط بالإنسان، ولو شئنا لرفعناه بها في الدنيا وفي الآخرة، القرآن يرفع في الدنيا وفي الآخرة، وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُهو الذي أراد ذلك، الله يريد العلو، هذا يريد السفول، الله يريد الارتفاع، هذا يريد النزول، ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثلهُ هنا، هنا لابد أن تنفتح الأسماع والأبصار والبصائر والعقول والقلوب؛ لأن فيه ضرب مثل، لأن الله يضرب مثلًا، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِأخس الحيوانات، وأحطها، وأنذلها، وأشدها حرصًا وهلعًا، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث سورة الأعراف 175 الكلب من صفاته: أنه يلهث إذا جاع، ويلهث إذا شبع، ويلهث إذا عطش، ويلهث إذا ارتوى، ويلهث إذا مرض، ويلهث إذا صحّ، في جميع الحالات يلهث، إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث، لزوم الحالة السيئة لهذا الإنسان، خلاص مثلهُ كمثلِ الكلب، في الخِسة في أحط الأحوال سيئ، إنسان سيئ في كل الحالات لا يرجى منه خير أبدًا، لا في صحة، ولا في مرض، ولا في غنى، ولا في فقر، ولا في مجيء، ولا في إتيان، لا إذا أتيته ولا إذا تركته ما في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت