قال الله تعالى: وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ تقدمت بهِ السن، لان ما شتد، واشتد ما لان، تقدمت به السنُ، ووهنَ العظمُ، واشتعلَ الرأسُ شيبًا، أصابه الكبرُ في ضعفه ووهنه، فلم يعد قادرًا على الكسب كما كان في شبابه، والإنسان في آخر العمر يحتاج إلى مصدر سهل للرزق، يحتاج إلى شيء يُدر عليه من غير تعب وجهد لأنه قد أصابه الكبر، فكيف يكونُ البستانُ بالنسبةِ إليهِ في الحاجة، وسد الحاجات، لقد تعلقَ قلبه بهذا البستان من جهتين: من جهةِ نفاسةِ البستان، ومن جهةِ تقدمِ سنه، ويشيب الإنسانُ وتشبُ معهُ خصلتان: حبُ المال، وحبُ طول العمر.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: كلما تقدمت السن بالإنسان يشيب يضعف إلا خصلتان لا تشيبان ولا تضعفان: الحرص على المال، والرغبة في طول العمر، إذًا اشتد حرصه على المال، لكبر سنه وحاجته
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: كلما تقدمت السن بالإنسان يشيب يضعف إلا خصلتان لا تشيبان ولا تضعفان: الحرص على المال، والرغبة في طول العمر، إذًا اشتد حرصه على المال، لكبر سنه وحاجته
، وكذلك نفاسة هذا البستان وجودته، ليس هذا فقط، بل وله ذريةٌ ضعفاءُ، أصابه الكبر وله ذريةٌ ضعفاءُ، صغار، عجزه، زمنى، مطلقات، نساء لا يقوين على العمل، له ذرية ضعفاء لو مات صاروا أيتامًا مثلًا، ذرية ضعفاء غير قادرين على الكسب، فهو يريدُ البستان له ولهم، وهذا مصدر العيش لهم من بعده، ومما يطمئنه نفسيًا على ذريته، كل واحد فينا لو كان عنده ذرية وأولاد وتقدمت به السن، يخشى عليهم من بعده، ويتمنى أن يترك لهم مصدرًا دارًا كعقارٍ ومزرعةٍ ونحوها، ليأكلوا ويعيشوا منها، أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فازداد الأمر في الحرص قوة وفي التعلق شدة بهذا البستان، صار الأمل فيه كل الأمل، وبينما هو كذلك في هذه الحاجة وهذا التعلق وهذا الانجذاب وشدة الحرص، حصلت مفاجأة بل مصيبةٌ وكارثة ٌ كبرى، بل فجيعةٌ عظيمة وداهيةٌ دهياء ما هي؟
فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، الإعصار: عمود الريح والزوبعة الشديدة، الإعصار أشد من الريح، كما قال في المثلِ"إن كنتَ ريحًا فقد لاقيتَ إعصارًا"، عمود بين السماء والأرض بشدةٍ، وينتقلُ مدمرًا مخربًا، إعصار لا يأتي على شيءٍ إلا جعلهُ دمارًا، وليس هذا فقط، بل فيه نار، إعصار دمار نار على هذا البستان، إعصارٌ فيه نار فاحترقت، قلعت، واخربت، وما بقيَ لا يصلحُ أن يُتخذَ شيئًا؛ لأن النار قد أحرقته حتى الحطام لم يعد مفيدًا، إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت فكيف تكونُ الخيبة، وكيفَ يكون انهيار الآمال وكيف يكونُ وقعُ المصيبة، كيف تكونُ حالته النفسية، هنا قال الله: كَذَلِكَ الآن يضرب الله الآيات للناس، يضرب الأمثال يقول: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، ليست القضية فقط أن يذكرَ لنا مأساةً تنتهي بهذه النهاية المفجعة، دون أن يكونَ هناك وراء هذا شيءٌ، فما هو الشيءُ يا عباد الله؟ ما هو؟
هذا مثل ضربه الله لشيء ليست فقط قصة مؤلمة وخيبة أمل مدوية، لكن وراء القصة هذه معنى عظيم، لابد أن يكونَ هناك مرادٌ كبير من وراء إيراد هذه القصة وهذا المثل، فما هو؟
هذا مجال تفكر الذي يريده الله منك يا عبد الله، هذا مجال التدبر الذي يريده الله منك يا عبد الله فكر وتدبر، هذا المثل ضربه لأي شيء؟
عمر رضي الله عنه كان جالسًا مع أصحابه، وفيه ابن عباس ذلك الشاب الصغير، فسأل عمر عن الآية، قالوا: الله أعلم، قال: قولوا نعلم أو لا نعلم، قال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال: تكلم يا ابن أخي، قال: هو مثل ضربه الله لشيء، ضربه الله لعمل، قال: ما هو، قال: لعمل، فأخبره عمر رضي الله عنه أن هذا مثل ضربه الله لرجلٍ كان يعمل بطاعة الله مدة من الزمن، ثم انتكس، وانحرف، وانجرف، وعملَ بمعصية الله، سيئات أذهبت الحسنات، وأحبطت ما سبق، وانهار كل شيء، قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لهذا المنتكس الذي كان يعمل بالحسنات ثم انتكس فصار يعمل بالسيئات فأحبطت الحسنات، ذهبت الحسنات، الحسنات كانت مونقة موردة يانعة أنواع وأشكال من الحسنات، مزهرة جميلة ذاتُ طعم، لكن إعصار الانتكاس والنكوص على العقبين والردة وعمل السيئات بعد الحسنات والتغيير والتبديل والرجوع أذهبها أحبطها أتلفها، وهذا مثال أيضًا للمرائي، يعمل حسنات فيما يظهر للناس، أو يبدأُ مخلصًا، ثم يدخل في الرياء، فيُغِير على حسناته بإعصار الرياء، فيمحوها، أو إنسان صاحب صدقات لكن يمُن في الصدقة ويؤذي، فيهب إعصار المن والأذى على حسنات صدقاته، فيتلفها ويُذهبها، فإذا جاء يوم القيامة، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا سورة الفرقان 23.