الدنيا إما أن تئول إلى ما ينفع البشرية فهي وسيلة إلى خير فتكون من الخير المأمور به، وإما أن تئول إلى ما يضر البشرية فهي وسيلة إلى شر فتكون محرمة. ومهما كانت كثرتها فلن تبلغ مبلغ الركام الضخم الذي أنتجته عقول البشر على مر القرون فيما يتعلق بالأمور الغيبية والدينية سواء كانت اعتقادية أم عملية في شتى الديانات والمذاهب، وهكذا ما يتعلق بالأخلاق والسلوك.
هذا؛ ونظرة المفكرين الغربيين على العكس من ذلك؛ فالفيلسوف ميل يرى أن الصواب في هذه الحياة أكثر من الخطأ، كما يرى أن كفة الصلاح والاستقامة أرجح من كفة الفساد والعوج. [1]
فالاختلاف في تقدير ما يصدر عن البشر من حق وباطل، وخير وشر، وصواب خطأ، هو الذي أدى إلى مخالفة ما يقرره الفكر الغربي لما جاء به الإسلام ولم يفطن الكتاب المسلمون الذين عالجوا قضايا الحرية لهذا الاختلاف الجوهري فوقعوا في الخطأ باتباعهم الغربيين في تقرير حرية الرأي.
كما أن الفكرة الغربية لعدم ثبات الحق والخير والصواب، وقولهم بنفي الحقيقة المطلقة، أو القول بتعددها، ينسجم مع تقريرهم في إطلاق الرأي، بخلاف ما تقرر في الإسلام من ثبات الحق والخير والصواب، وإثبات الحقائق المطلقة، ونفي تعدد الحق؛ لإيمان المؤمن بثبات ما دل عليه الكتاب
(1) الحرية: 42.