الصفحة 9 من 39

المطلب الأول

ألفاظ المسارعة والمسابقة في اللغة والاصطلاح

السين والراء والعين:"أصل صحيح يدل على خلاف البطء، فالسريع خلاف البطيء وسَرْعان الناس أوائلهم الذين يتقدمون سراعًا" [1] ، وسرعان الخيل أوائلها، ويقال أسرع وسارع أي خف وبادر، ومنه قوله تعالى: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} (90: الأنبياء) يمضون نحوها مسرعين مبادرين، وتسرع بالأمر بادر به، والمسارعة إلى الشيء: المبادرة إليه، والمتسرع المبادر إلى الشر خاصة [2] .

ويقال هؤلاء مساريع في الحرب، أي جمع مسراع، وهو الشديد الإسراع إلى النضال، وسارع الأمر بمعنى أسرع، وجاء سَرعًا أي سريعًا [3] .

ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} (44: ق) وقوله تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا} (43: المعارج) وقوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} (55 - 56: المؤمنون) .

ويقال أسرع الرجل إذا سَرُعت دابته كما قالوا أخف إذا كانت دابته خفيفة.

وإذا نحن تأملنا هذه المعاني لمادة سرع نجد فيها معنى المبادرة والتقدم والسبق والخفة إلى الشيء، ومن خف في طلب شيء كان سهلًا عليه، في متناوله، متمكنًا منه، إلى ما في ذلك مما يخالف معنى البطء، والتثاقل، ويدل على علو الهمة، والإقبال على الأمر.

ولذا نجد القرآن الكريم يثني على أولئك الذين يسارعون في الخيرات، أي يبادرون بخفة ونشاط وهمة وتقدم وسبق. على عكس أولئك الذين يتثاقلون إذا جاءهم الأمر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} (38:التوبة) . قال الزمخشري:"ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحسن" [4] .

كما يتضمن معنى المسارعة الجد والرغبة في الأمر لذا عدى بفي [5] ، فالمسارعة إذن:"المبادرة والمضي إلى الأمر بجد وهمة ونشاط ورغبة وإقبال والتقدم فيه متمكنًا من غير بطء ولا توان ولا تقصير" [6] .

وقد يكون في الخير، وقد يكون في الشر، كما في قوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} (52: المائدة) .

فهؤلاء المنافقون يبادرون ويخفون نحو أوليائهم من اليهود الراغبين فيهم غير متوانين في نصرتهم.

إننا إذا تأملنا معنى المسارعة لغة ندرك سر إيراد القرآن لها دون غيرها في مواطنها؛ إما

(1) ... ينظر: أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب، الأصفهاني، (ت 502 هـ) ، المفردات في غريب القرآن، بيروت، دار المعرفة، 2005 م، (ط 4) ، ص 236، و أبو الحسين أحمد بن فارس (ت 395 هـ) معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، بيروت، دار الكتب العلمية، 1289 هـ، ج 3، ص 152.

(2) ... ينظر: أبو الفضل، جمال الدين بن منظور، (ت 711 هـ) ، لسان العرب، بيروت، دار صادر، بلا تاريخ، ج 8، ص 152، مادة سرع.

(3) ... المصدر نفسه.

(4) ... أبو القاسم، جار الله محمود بن عمر الزمخشري، (ت 538 هـ) ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، بيروت، دار المعرفة، دون تاريخ، ج 1، ص 463.

(5) ... أبو الفضل، شهاب الدين محمود، الألوسي (ت 1270 هـ) ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، دون تاريخ، ج 17، ص 87.

(6) ... الزمخشري، الكشاف، ج 2، ص 582.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت