فكيف حالنا مع صلاة القيام والتراويح نمن على الله بركعات لا اطمئنان فيها ولا خشوع، ولا تبتل ولا خضوع، فصار أحدنا لا هو الذي صلى ففاز بالثواب، ولا هو الذي ترك فاعترف بتقصيره وسَلم من الإعجاب.
أين نحن من حال السلف الذين كانوا يعظمون هذه العبادة، كانوا يصلون ويقومون حتى يعتمدون على العصي من طول القيام.
كان علي بن عبدالله بن عباس يسجد كل يوم ألف سجدة، فسمي السجاد.
وسعيد بن جبر يختم القرآن في ركعةٍ في جوف الكعبة.
وكان عروة بن الزبير ـ رحمه الله ـ يقرأ كل يوم ربع القرآن في المصحف.
قال المعتمر بن سليمان: مكث أبي سليمان التميمي ـ رحمه الله ـ أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان يصلي صلاة الفجر بوضوء العشاء الآخرة.
قال معمر:"صلى على جانبي سليمان التميمي ـ رحمه الله ـ بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ في صلاته:"تبارك الذي بيده الملك"حتى أتى على هذه الآية:"فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا"فجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا، ثم خرجت إلى بيتي، فلما رجعت إلى المسجد لأوذن الفجر فإذا سليمان التميمي في مكانه كما تركته البارحة!! وهو واقف يردد هذه الآية لم يجاوزها."
قال أبو إسحاق السباعي ـ رحمه الله ـ ذهبت الصلاة مني!! (أي لما ضعفت وكبر سني) وضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما اقرأ إلا البقرة وآل عمران!!، وكان رحمه الله قد ضعف على القيام، فكان لا يقدر أن يقوم إلى الصلاة حتى يقام، فإذا أقاموه فاستتم قائمًا قرأ ألف آية وهو قائم.
وهل كانت صلاتهم صلاة الغافلين اللاهين كحالنا اليوم .. اسمع طرفًا من أخبارهم.
ـ قال يعمر بن بشر: أتيت باب عبدالله بن المبارك ـ رحمه الله ذات ليلة بعد العشاء فوجدته يصلي وهو يقرأ قوله تعالى: (إذا السماء انفطرت) حتى بلغ (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) فوقف عندها يرددها إلى أن ذهب وقت من الليل فانصرفت ثم رجعت غليه لما طلع الفجر فإذا هو لا يزال يرددها، فلما رأى الفجر قد طلع قال: حلمك وجهلي!! حلمك وجهلي!! فانصرفت وتركته.
ـ قام العبد الصالح: سعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ ذات ليلة يصلي من الليل فقرأ (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) ، فأخذ يرددها حتى أصبح.
ـ قام العبد الصالح: سعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ ذات ليلة يصلي من الليل فمر بهذه الآية (واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله) فرددها بضعًا وعشرين مرة، وكان يبكي بالليل حتى عمش.
ـ كان العبد الصالح علي بن الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ يصلي من الليل حتى ما يقدر أن يأوي إلى فراشه إلا حبوا!! ثم يلتفت إلى أبيه ويقول: يا أبت سبقني المتعبدون!!
ـ قيل للعبد الصالح: يزيد بن هارون ـ رحمه الله ـ وكان ذو عينين جميلتين فعمي من كثرة بكائه من الليل، يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان؟!! فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار!!، ولما سئل عن حزبه (أي ورده بالليل) قال: وأنام من الليل شيئًا؟!! إذا لا أنام الله عيني.
ـ عن عبدا لرحمن بن عجلان قال: بت عند الربيع بن خيثم ـ رحمه الله ـ ذات ليلة فقام يصلي، فمر بهذه الآية: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجتر حوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ الجاثية21، فمكث ليلته حتى اصبح ما يجاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
ـ كان الربيع بن خيثم ـ رحمه الله ـ إذا قام بالليل يصلي تناديه أمه مشقة عليه وتقول له: يا بني ألا تنام؟ فيقول لها: يا أماه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له ألا ينام.
ـ قال عطاء الخراساني ـ رحمه الله ـ تبعت مالك بن دينار ـ رحمه الله ذات ليلة فرأيته لما دخل بيته استقبل القبلة وقام في محرابه وأخذ يصلي ما شاء الله أن يصلي، ثم أخذ بلحيته وجعل يقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك على النار، فما زال يرددها حتى طلع الفجر.
هكذا كانوا يعيشون بالطاعات، يتلذذون بالقربات.
فلله درهم، من خلق، أصبحوا حججًا على من جاء بعدهم.
هذا حالهم مع القيام في غير رمضان، فكيف تظن حالهم في ليالي رمضان، لقد كانوا يقومون الليالي في رمضان حتى يعتمدون على العصي من طول القيام.
كانوا إذا قرأ القارئ البقرة في ثمان ركعات عدوا ذلك تخفيفًا، فليت شعري كيف لو رأوا قيامنا وصلاتنا.
كانوا يعظمون رمضان لا يكاد أحدهم يخرج من المسجد يحفظ صيامه، ولك أن تتخيل زمانهم وزماننا.
كيف كانت شوارعهم وبيوتهم وقت ذاك، إذ يخشون فساد صيامهم، فكيف حال شوارعنا وبيوتنا اليوم؟
ولك أن تتخيل كيف كان حال أهل زمانهم وهم قد وصفوا بالصلاح والتقوى وقارن بينهم وبين أهل زمانهم.
لا تعرضن بذكرهم في ذكرهم *** ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
رمضان وكنوزه العظيمة
أحبتي في الله ..
إن شرائع الله كاملة، فالله شرع الصيام لحكم عظيمة، وغايات كريمة