من أعظمها: تحقيق العبودية الحقة لله، فالعبد يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله، لأن الله أمره بذلك، وهذا من أعظم الدلائل على الإيمان.
فهو ما ترك هذه الأشياء إلا لعلمه أن الله فرض عليه ويؤمن ايضاأن الله يعوضه خيرًا منها في الدنيا والآخرة، بل انظر على الحديث القدسي:
"ترك طعامه وشرابه من أجلي"
من حكمه: تحقيق التقوى: ـ
وأنعم بها من خلة وأكرم بها من نعمة، والمتقي عبدًا أطاع ربه ومولاه، وابتعد عن مساخطه وما لا يرضاه، سعى في تحقيقها، وجاهد في تحصيلها وما اتقى الله ... من ترك لنفسه العنان، لم يلجمها بلجام التقوى، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس له حاجة أن يدع طعامه وشرابه"رواه البخاري
"ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر"
كم هي الثمار عظيمة عندما تتأثر القلوب بالصيام، فترى الألسنة قد كفت عن الحرام، وترى الأبصار قد غضت عن الحرمات وترى الأيدي قد حفظت عن الآثام.
كم يتدرب الصائم ويتعلم الإخلاص في رمضان، ولذا قيل: أعظم الأعمال التي يظهر فيها الإخلاص - الصيام-.
لأن الصائم يخلو وحده لا يراه أحد، ومع ذلك لا تجرؤ نفسه على الطعام والشراب لعلمه بنظر الله عليه ومراقبته لربه جل وعلا.
استحضر أيها الصائم قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم:"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"متفق عليه
فأنت لا تصوم لأن الناس حولك صائمون، بل صُمْ لن الله فرض عليك الصيام، واحتسب الأجر والثواب على ذي الجلال والإكرام.
من أثر الصيام ما يحدثه التخفيف من الطعام والشراب من صفاء الروح وسمو النفس وعلوها، ولذا قيل للإمام أحمد:"أيخشع القلب والبدن شبعان؟ قال: ما أظن ذلك."
فالصائم وقد حبس نفسه عن الطعام والشراب ترفعت نفسه وصفت روحه وشعر بالرقة، وتنعم بالأنس.
ويضاف إلى التخفيف من الطعام والشراب التقليل من المخالطة للآخرين، ومن فعل ذلك يرجى له التلذذ بالطاعات والتنعم بالقربات، ولكننا بأحبتي نصوم من الطعام والشراب نهارًا ونتخم المعدة ليلًا فلا نرى خشوعًا، ولا نشعر بروحانية الصيام في نفوسنا.
وإذا كان أهل التربية يرون أن المرء يخفف من مخالطة الناس في سائر الأوقات، فكيف بهذه الأوقات المباركة التي هي كما سماها الله أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ البقرة184 جديرًا بالعقل أن يحرص على حفظ وقته بالإكثار من الجلوس في بيت الله.
في الصيام التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها عند النزغات والمثيرات.
وفي الحديث"فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم"
في رمضان يتذكر الصائم الفقراء والمحتاجين الذين لا يجدون طعامًا يسد جوعتهم ويروي عطشهم.
كان عمر بن عبدا لعزيز لايشبع وقت خلافته فيقال له: يا أمير المؤمنين: لما لا تشبع؟ فيقول: حتى لا أنسى الجوعى.
إن المرء إذا شعر بألم الآخرين لا ينساهم، فالصائم ربما ذاق ألم الجوع فتذكر الجائعين.
فرأف بهم ورحمهم وجعل لهم من ماله حظ ونصيب، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان"رواه البخاري."
أبواب وقفة محاسبة على الشهر أحبتي في الله ..
لنقف اليوم ونحن على مشارف هذا الشهر المبارك وقفة مصارحة ومحاسبة. لنتذكر حالنا في رمضان الماضي، هل كلن حال مرضي، كيف كان حفظنا للصيام، كيف كان حالنا عند القيام؟
هل كنا نتلذذ بالصيام نشعر بالأنس والفرح عند ساعات الإفطار.
هل كنت ممن تؤثر السهر الطويل وتتلذذ بكثرة الركوع وطول السجود؟
هل كنت تنتظر صلاة التراويح بفارغ الصبر، أي الرجلين أنت أخي المبارك:
هل كنت عند تلاوة الآيات وسماعها كما وصف الله أهل الآيات؟
عن أم سعيد بن علقمه"قالت"كان داود الطائي ـ رحمه الله ـ جارًا لنا، فكنت اسمع بكاؤه عامة الليل لا يهدأ، ولربما ترنم في السحر بشيء من القرآن، فأرى أن جميع نعيم الدنيا قد جمع في ترنيمه تلك الساعة.
كان العبد الصالح داود الطائي ـ رحمه الله ـ يحي الليل بالصلاة والبكاء والمناجاة، ثم يقعد بحذاء القبلة فيقول: يا سواد لليلة لا تضيء؟!! ويا بعد سفر لا ينقضي، ويا خلوتك بي تقول: داود ألم تستح؟!!