عادل بن عبدالعزيز المحلاوي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل شهر رمضان غرة وجه العام، أجزل فيه الفضائل والإنعام، وفضل أيامه على سائر الأيام، جعله لعقد شهور العام واسطة النظام.
عمر ليله بالقيام، ونهاره بالصيام.
أحمده سبحانه وأشكره، وفق من شاء من عباده للطاعات، فتح لهم أبوابها وسهل لهم أسبابها.
وأصلي وأسلم على خير من صلى وصام، وبكى من خشية ربه حين قام.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الخير والإنعام، ومن تبعهم بإحسان صلاة دائمة ما تعاقبت الليالي والأيام.
أحبتي في الله ..
إن رحمة الله تعالى بعباده تهيئة مواسم الطاعات والقربات، ليتزودوا منها بالباقيات الصالحات، ويأخذوا عدتهم منها قبل الممات، فكم هو رحيم بعباده كريم جواد معطاء.
ومن أجل هذه المواسم موسم رمضان، ذلك الشهر الذي جعله زمن فريضة عظيمة، وعبادة جليلة، إنه مكان الركن الرابع من أركان الإسلام -الصيام-.
وجعله وقت نزول القرآن: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} البقرة185
في هذه الليلة المباركة.
و في مجلس من مجالس البر والفضل والإحسان نجلس مع هذه الوجوه الطاهرة في لقاء عنوانه
وقد انتظم في هذا الدرس ست عناصر:
ـ أعرف قدر زمانك.
_كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وسلفنا الصالح.
ـ كنوز رمضان وثمرات الصيام.
ـ وقفة محاسبة على أبواب الشهر.
ـ ألم يحرق القلب.
ـ رمضان والانطلاقة الكبرى.
أيها الأحبة:
ينبغي للمسلم المؤمن أن يقدر هذه المواسم حق قدرها، يستشعر بقلبه فضيلتها، فرمضان موسم مبارك، أيامه فاضلة، ولياليه مباركه، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبشر أصحابه بقدومه فيقول:
"إذا كان أول ليله من ليالي رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحّت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، ذلك كل ليله"رواه الترمذي.
جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض.
قال المنذري - رحمه الله تعالى-:
وقد ذهبت طوائف من العلماء إلى أن هذه الأحاديث جاءت في فضل الصوم في الجهاد، و ذهبت طائفة إلى أن كل الصوم في سبيل الله إذا كان خالصًا لوجه الله تعالى. أ. هـ فاخلص في العمل أيها العبد المبارك.
اعرف قدر زمانك. ففي رمضان"لله عند كل فطر عتقاء"رواه أحمد
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة، إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة"رواه الترمذي وهو في صحيح الترغيب
فهذه بعض فضائل هذا الموسم المبارك:
ـ تفتيح أبواب الجنان.
ـ إغلاق أبواب النيران.
-لله عتقاء في كل يوم وليلة، وعند كل فطر.
-للصائم دعوة لا ترد.
-من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، وأيضًا من قام -رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم.
-"الصوم حاجز عن النار"
-كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه عطاء من الرب الكريم، وما ظنك برب كريم وهاب.
شهر يفوق على الشهور بليلة *** من ألف شهر فضلت تفضيلًا
طوبى لعبد صح فيه صيامه *** ودعا المهيمن بكرة وأصيلا
وبليلة قد قام يختم ورده *** متبتلًا لإلهه تبتيلا
تأمل كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتفي بهذا الموسم، ولك فيه أعظم أسوة.
إذ قال ربك: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الأحزاب21
يدل على هذا حديث ابن عباس"كان رسول الله أجود الناس"وجوده كما يقول ابن القيم بجميع أنواع الجود: بالمال والبدن والوقت والجاه والعلم والتعليم، والدلالة على الخير.
يحتفي بليالي هذا الشهر المبارك يقطعها بالتلاوة والقيام، وغالب قيامه - صلى الله عليه وسلم - كان منفردًا، وذلك لرحمته بالأمة خشية أن يفرض القيام على أمته.
تأمل كيف كان قيامه في رمضان:-
يقول أبو ذر - رضي الله عنه:"كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب بنا شطر الليل أي نصفه. تأمل .. ثم لم يقم بنا في الرابعة، وقام بنا في الثالثة حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح (يعني السحور) .رواه أهل السنن"
وهذا حذيفة - رضي الله عنه - يقول: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم بالنساء ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، قال: فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة، أي صلاة الفجر"أخرجه الإمام أحمد."