وأما العقل: فمن المعلوم لدى كل عاقل أنه يلزم أن تتودد وتتقرب إلى من بيده خيرك وشرك ونفعك وضرك وغناك وفقرك وصحتك ومرضك وحياتك وموتك وإسعادك وإشقاؤك، وقد أوضح ذلك القرآن حيث قال: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (( (( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:21-22] .
فالواجب على العبد: أن يفرد الله بالعبادة، لأنه هو الذي أوجده من عدم، وسيره على القدم، وعلمه بالقلم؛ ولأنه هو الذي حوله من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ومن مضغة إلى لحم ودم وخط له الأنف والحدقة، ولأنه هو الذي خلق له اللسان، وأنطقه بالبيان وخلق له اليد والرجل والبنان؛ ولأنه هو الذي فصل أعضاءه هذا التفصيل العجيب، وركبه أحسن تركيب، فتبارك الله أحسن الخالقين وقد أجمل القرآن ذلك في قوله: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ...} .
ووجَّه القرآن العقل البشري في غير موضع وأيقظه من نومه ووجهه إلى التفكير في الأصل والمنشأ، فقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (( ( خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (( ( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق:5-7] . وقال تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (( (( فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (( (( إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (( (( فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات:20- 23] إلى غير ذلك من الآيات.