مثل هذا أيضًا قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56] أي أن هداية الناس ليست موقوفة على من يحبه الرسول لأن مشيئة الله قد قضت بأنها عائدة لما يشاؤه الإنسان لنفسه فالله يهدي كل من يشاء الهداية من عباده. وأما من لم يردها له فقد قال تعالى عنه: {كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدًا} [مريم: 76] ، وقال أيضًا: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، وقد وضح الله الأمر تمامًا عندما كان بعض المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسبون إلى الله كل ما يصيبهم من خير ويقدسونه عما يصيبهم من شر وإنما يحيلون ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق التشاؤم منه أو لعدم دعائه لهم فأنزل الله قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] ، ليفهمهم أن الحسنة والسيئة كلاهما من عند الله لوقوعها في ملكه وعلى مقتضى سننه في نظام الأسباب والمسببات فما بالهم ينسبون السيئة إلى التشاؤم ولا يرجعونها للأسباب الحقيقية لها من أعمالهم، ولأجل أن لا يخطئوا فينسبوا السيئة إلى الله واضع السنن عاد جل وعلا فوجه الخطاب إلى رسوله وخطاب الله لرسول خطاب للأمة المرسل لها بقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} [النساء: 79] ، أي وحتى أنت فكلما أصابك من حسنة فهي من الله ذلك لأن الإنسان إذا اكتسب خيرًا