نعم؛ لأن الصائم قد ترك شهواتِه في النهار تقربًا إلى الله، وطاعة له، وبادرَ إليها بالليل تقرُّبًا إلى الله، وطاعة له، فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر به، فهو مطيعٌ في الحالين، مطيعٌ حين يُمسك، ومطيعٌ حين يأكل، ولهذا جاء في الأثر (( إن للصائم عند فطره دعوةً ما ترد ) ) [1] ، حيث تلتقي الطاعتان طاعةُ الإمساك وطاعةُ الأكل.
ثم الفرحةُ الثانيةُ العظيمة، حين يلقَى العبدُ ربَّه، في ذلك اليومِ العصيبِ، الذي تشيبُ لهوله الولدان؛ فيرى آثارَ الصيامِ ظاهرةً، وبركاتِه منتشرةً، فيُدخلُه الصيام من باب الريان، ويشفعُ له عند المليك الديان، فيفرح المؤمن بلقاءِ الله حين يرى عظيمَ الثواب، ووافر الجزاء، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) } [سورة يونس 10/ 58] .
9 -لعلكم تتقون.
التقوى خيرُ الزادِ، وخيرُ اللباس، وصيةُ الله للأولين والآخرين، وهي العُدَّةُ في الشدائد، والعون في الملمات، ومهبطُ الروح والطمأنينة، ومتنزل الصبرِ والسكينة.
ورمضانُ شهرُ التقوى، وقد صرَّح الله بالحكمة من فرض الصيامِ بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [سورة البقرة 2/ 183] .
والتقوى هي: أن تعملَ بطاعةِ الله على نورٍ من الله ترجو ثوابَ الله، وأن تتركَ معصيةَ الله على نورٍ من الله تخافُ عقابَ الله، وإنما تكون بالعلم النافع، والعمل والصالح.
فإذا خرجت من رمضان، وقد فزت بالتقوى، فبالله عليك ماذا بقي من الخير ما حُزته؟! ومن البركات ما حصلتها؟! ولن يهلك من كانت التقوى زادَه، والله جل وعلا يقول {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) } [سورة مريم 19/ 72] ، ويقول {فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) } [سورة الليل 92/ 14 - 17] .
أيها الإخوة، أما والله لو جلست أتحدث عن فضائل هذا الشهر وخيراته، وأسراره وبركاته، إلى بزوغ الفجر، ثم إلى مغيب شمسِ يومٍ آخر، ما وفيت فضائلَ الصومِ وشهرِه حقَّه، وكيف أوفي فضائلَ عملٍ أضافه الكريم إلى نفسه؟! وبركاتِ شهر نزل فيه أعظم حجج الله على خلقه؟ وفيه ليلة لا يماثلها ألف شهر؟!
والمحروم من حرم خيره، والسعيد من كفته الإشارة إلى فضله، ورضي بإضافة الجزاء إلى ربه، وشمر عن ساعد الجد لينجو بنفسه، ويزرع في يومه ما يلقاه غدًا في قبره، وبين يدي ربه.
اللهم إن في قلوبنا تفرقًا وشعثًا لا يَلمُّه إلا الإقبال عليك، وفي قلوبنا وحشةً لا يزيلها إلا الأنسُ بك في الخلوات، وفي قلوبنا حزَنًا لا يُذهبه إلا السرورُ بمعرفتك، وصدقُ معاملتك، وفي قلوبنا قلقًا لا يُسكِنُه إلا الاجتماعُ عليك، والفرارُ منك إليك، وفي قلوبنا نيرانَ حسراتٍ لا يطفئها إلا الرضا بأمرك ونهيك وقضائك، ومعانقةُ الصبر على ذلك إلى وقت لقائك، وفي قلوبنا فاقةً لا يسدُّها إلا محبتُك والإنابةُ إليك، ودوامُ ذكرك، وصدقُ الإخلاصِ لك، فاللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، حتى نلقاك بقلوب سليمة منيبة.
اللهم يا من عم جوده البر والفاجر، وفاض عطاؤه على المؤمن والكافر، ووسعت رحمته كل شيء، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، وقيوم السموات والأرض ومن فيهن، نسألك رحمة ترفع بها درجتنا، ومغفرة تمحو بها ذنوبنا، اللهم بلغنا رمضان، واجعلنا فيه من عتقائك من النيران، فقد أسرتنا الذنوب، واستوحشت منا القلوب، واستولت علينا زخارف الدنيا، فشغلتنا عن الدار الآخرة.
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد أن تنصر المستضعفين، وأن تدفع الكرب والضيق عن إخواننا المظلومين، وأن تشدد وطأتك على المعتدين الباغين، إنك أنت القوي العزيز.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم ...
وكتبه عبد السلام بن إبراهيم بن محمد الحصين
(1) رواه ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والطبراني في الدعاء، قال في الزوائد: إسناده صحيح، وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن، أخرجه أبو يعلى في مسنده الكبير، وأخرجه الحاكم في المستدرك.