الصفحة 5 من 6

ومن بركاته التقويةُ على طاعة الله، والإعانةُ على العبادةِ، والزيادةُ في النشاط، والرغبةُ في فعل الطاعة مرةً أخرى.

ومن بركاته أن الله وملائكته يُصلُّون على المتسحرين [1] .

ومن بركاته أنه في وقتٍ تتنزلُ فيه الرحمات، وينزِلُ الربُّ جلَّ وعلا فيه، مناديًا عباده هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له؟

فما أسعدكَ يا عبدَ الله، يا من أطعت الله واستجبت لأمره، تأكل الأكلة، تكون لك فيها كل هذه البركة!!

6 -القيام بين يدي الملك.

الصلاة هي قُرَّةُ عُيونِ المتقِينَ، وراحةُ قُلوبِ الموحِّدينَ، بِهَا تُزال الهموم، وتُبعثرُ الغُمومُ، وتُحطُّ الذنوبُ، حينَ يقِفُ العبدُ الحقيرُ بين يدي ربِّه وقْفةِ الذُّلِّ والانكسارِ والخُضوع، ساكنَ الجوارِح، حاضِرَ القلبِ، خاشِعَ البصرِ، يرجو رحمةَ ربِّه، ويحذرُ الآخرة.

قال بكْرُ الْمُزَنِي: مَنْ مِثْلُكَ يا ابنَ آدم؟! خُلِّيَ بينكَ وبين المحرابِ والماءِ، كُلَّما شِئت دخلْتَ على الله عزَّ وجل، ليس بينك وبينه تُرجُمَان [2] .

ما أجملها من لحظات، وما أطيبها من نفحات، وما أبركها من ساعات، تلك الساعة التي يُرفع فيها الحجابُ بينك أيها العبدُ الحقيرُ الفقيرُ، وبين الملك العظيم الغني الحميد.

ما أعظم تلكَ الساعةَ التي تُخاطِبُ فيها ربَّكَ، فيجيبُك، تقول: الحمد لله رب العالمين؛ فيقول الله: حَمِدَني عبدي، ثم تقول: الرحمنِ الرحيم، فيقول الله تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، ثم تقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فيقول الله تعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، أو فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، ثم تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فيقول الله تعالى: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، ثم تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فيقول الله تعالى: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ [3] .

لا والله الذي لا إله غيره، ما في الدنيا لحظةٌ أعظمَ من هذه اللحظة، ولا ساعةٌ أطيبَ من هذه الساعة، حين يُناجِي العبدُ ربَّه، فيجيبُه ربه ويُكلِّمه، ويردُّ عليه، ويستجيبُ دعاءه.

أخرج أبو نعيم في الحِلية [4] عن ثورِ بن يزيدٍ قال: قرأتُ في بعضِ الكتب أنَّ عيسى عليه الصلاةُ والسلامُ قال: يا معْشَرَ الحواريين، كَلِّمُوا الله كثيرًا، وكلِّمُوا الناس قليلًا. قالوا: كيف نُكلِّمُ الله كثيرًا؟ قال: اخلوا بمناجاته، اخلوا بدعائه.

وصومُ رمضان قد قُرِن بالقيام، ولهذا شُرع فيه الاجتماع للصلاة النافلة، ما لم يُشرع في غيره؛ لتتقوى النفوسُ الضعيفةُ، ويسمعَ القرآنَ من لا يستطيع قراءتَهُ لوحْدِه.

صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه ) ) [5] ، أي تصديقًا بوعْدِ الله بالثوابِ عليه، وطلبًا للأجرِ، لا لقَصْدٍ آخرَ مِنْ رياءٍ ونحوِه.

فأيُّ نِعْمةٍ أجلُّ، وأيُّ عَطاءٍ أعظمُ من غُفرانِ الذُّنوب، وسَتْرِ العيوب؟!

7 -ليلةٌ خير من ألف شهر!

عطاءُ ربِّنا لا ينفَدْ، وخزائنُه لا تَفنى، وجودُه لا ينقَطِعْ، ومن جودِه وكرمِه، هذه الليلةُ التي نَزلَ فيها القرآن، وتتنزلُ فيها الملائكة الكرام، وفيها يُفرَقُ كُلُّ أمرٍ حكيم، سلامٌ هي حتى مَطْلعِ الفجر، من فاز بها فقد حاز الخير كله، العملُ فيها خيرٌ من ألف شهر.

وقد صح عن النبي ' من حديث أبي هريرة أنه قال (( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه ) ).

ألا يكون محرومًا من حُرِم هذا الخير؟!

أيُّ غَبْنٍ أعظمُ من أن يُدرك أحدَنَا رمضانُ ثم يخرج ولا يُغفرُ له؟!

أيُّ خيبةٍ أعظمُ من تلك الخيبة؟!

الصوم يَغفِرُ ما تَقدَّمَ من الذُّنوبِ، والقيامُ يغفِرُ ما تقدَّم من الذنوبِ، وقيامُ ليلةٍ واحدةٍ يغفِر ما تقدَّم من الذُّنوب، فهل بعد هذا الخير من خير؟!

وهل بعدَ فتح هذا البابِ العظيمِ من أبوابِ الغُفْران وتكفيرِ السيئات من عُذْرٍ لمعتذر؟!

8 -للصائم فرحتان؟!

بالصومِ يفرحُ المؤمنون حين تحينُ ساعةُ الإفطار، فيضعُ المؤمنُ التمرةَ في فيه لتُسكِتَ تلك الجوعةَ الثائرةَ في البطن، إنها لحظةٌ من لحظات التلذذ بالأكلِ، بعد مدةٍ من الامتناع عنه، والله يثيبُنا على ذلك، بل يعدُّه نبينا ' من الفرحِ المحمود، الذي يفرحُ به المؤمن، فما أعظم مِنَّة الله وفضلَه، حتى الأكلةُ التي ينتهي بها الصوم، وتختم بها العبادة، هي محبوبةٌ عند الله!!

(1) رواه ابن حبان، والطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني.

(2) جامع العلوم والحكم (83) .

(3) ثبت ذلك في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة.

(5) متفق عليه من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت