وروى مسلم في صحيحه أن عليًا رضي الله عنه قال: (والذي فلقَ الحبةَ وبرأَ النسْمةَ، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم إليَّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) ، فليحذر المسلم من بغض علي رضي الله عنه؛ فإن من أبغض عليًا رضي الله عنه لما فيه من الخير، ولما له من الفضائل والنصرة والمكانة في الإسلام؛ فإنه منافق بحكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هذه درر من فضائل علي رضي الله عنه وأرضاه، ولا يسعفنا الوقت لسردها كلها.
أما سيرة علي رضي الله عنه فهي من أحلى وأجمل السير.
هذا الثَّناءُ الَّذي ما صَاغَه كَلِمٌ وهَا هُو المجْدُ عندَ البابِ يزدحمُ
كان رضي الله عنه يخرج كل ما كان في بيت المال لمستحقه، حتى إذا فرغ بيت المال يأمر الإمام أن تُنْضَح أرضه ويغسل بالماء، حتى إذا تم ذلك قام فصلى فوق أرضه المغسولة ركعتين، ولهذا الصنيع معنى جليل، إنه يشير بعهد جديد تسيطر فيه الآخرة على الدنيا.
لقد دُعي رضي الله عنه لينزل قصر الإمارة فولى مدبرًا وهو يقول: (قصر الخبال هذا لا أسكنه أبدًا) .
وكان يرتدي جِلبَابًا اشتراه من السوق بثلاثة دراهم، ويركب الحمار ويقول: (دعوني أُهِنِ الدنيا) .
ومن عظيم زهده في الدنيا حتى فيما هو حلالٌ له: ما روى أبو القاسم البَغَوِيُّ بسنده أن عليًا اشترى بدرهم فحمله في مِلْحَفِه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! أَحِمْلُهُ عنك؟ فقال: (أبو العيال أحق أن يَحمِلَه) ، وأُتي إليه بِفَالُوْذَج فقال: (إنك لطيب، ولونك طيب، ولكن أكره أن أُعوِّدَ نفسي ما لم تعتده) .
وخطب رضي الله عنه الناس فقال: (أيها الناس! والله الذي لا إله إلا هو ما رُزيْتُ من مالكم قليلًا ولا كثيرًا إلا هذه، وأخرج قارورة من كُمِّ قميصِه فيها طِيْبٌ، فقال: أهداها إلي الدُّهقان، ثم أتى بيت المال فقال: خذوا، وأنشد يقول:
أَفلحَ مَنْ كانتْ لَه قَوْصَرَهْ يَأْكُلُ منها كُلَّ يَومٍ تَمرَهْ