وكان يوم كربلاء في الثالثة والعشرين، وعاش بعد ذلك خمسًا وثلاثين سنة، كلها مليئةٌ بالكرم والإحسان والعبادة.. كان رحمه الله من العلماء العاملين، حتى قال عنه الزهري كما في سير أعلام النبلاء: «ما رأيت أفضل من علي بن الحسين» ، وكان من الفضلاء التابعين.
كان رحمه الله يجالس الموالي ممن له سبق في الإسلام وهو يقول: (إنما يجلس العاقل حيثُ ينتفع) ، وكان يجالس العلماء، حتى قيل له مرة وهو يجلس في حلقة زيد بن أسلم: (أتجالس هذا العبد؟ فقال: العلم يُطلَب حيثُ كان) ، وكان خلفاء بني أمية الكبار يحبونه ويحترمونه.
ذكر ابن الجوزي في صِفةِ الصَّفْوة عن عبد الرحمن بن حفص القُرشي، قال: «كان علي بن الحسين إذا توضأ يَصْفَرُّ، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟!» .
وعن عبد الله بن أبي سالم قال: (كان علي بن الحسين إذا مشى لا تُجَاوِزُ يَده فَخِذه، ولا يَخطُر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رِعْدة) .
ووقع مرَّة حريقٌ في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله النار! يا ابن رسول الله النار! فما رفع رأسه حتى أُطفِئت، فقيل له: (ما الذي دهاك عنها؟ قال: ألهتني عنها النارُ الأخرى) .
وعن مالك قال: «أحْرم علي بن الحسين، فلما أراد أن يلبِّي قالها فأغمي عليه، فسقط من ناقته فَهُشِم، ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات» . وكان يسمى زين العابدين لعبادته.
رحمك الله يا ابن الحسين! كان يسمى ذا الثَفِناتِ، وكانت ركبتاه كثَفِناتِ البعير.
وعن طاوس قال: سمعت علي بن الحسين وهو ساجد يقول: (عُبيدُك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك، قال: والله ما دعوت بها في كرب قط إلا كُشف عني) .
مَناقبٌ كنجومِ اللَّيلِ طاهرةٌ قَد زَانها الدِّينُ والأَخلاقُ والشِّيَمُ