فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 44

لقد فشل العثمانيون في الحد من نشاط المبشرين الشيعة لا بسبب قصور الإجراءات التي اتخذوها من أجل هذه الغاية فحسب، أو بسبب افتقارهم إلى القاعدة الاجتماعية في العراق، بل فشلوا أساسًا بسبب سرعة وكثافة التشيع وخاصة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. والحق أن نشوء بني حجيم من الزبيد والشبل من البني مالك والعفك يبين استقرار فروع هذه العشائر المختصة بالرعي على نحو متزايد قرب النجف وكربلاء، وتشيعهم في الشطر الأخير من القرن التاسع عشر (1) ، ولم يقدر حجم التشيع تقديرًا كاملًا خارج العراق قبل أواخر القرن التاسع عشر، وفي غياب التقديرات السكانية المفصلة التي تميز بين السنة والشيعة ، ظل بعض المسؤولين العثمانيين يعتبرون الشيعة أقلية لا تزيد على 40 في المئة من السكان. وكما يمكن استخلاصه من النتائج التي توصل إليها سليم درنجيل في الأرشيفات العثمانية فإن الإشارة المتكررة إلى انتشار المذهب الشيعي في العراق وردت أساسًا خلال السنوات الأخيرة من تسعينات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (2) . ولابد أن تكون هذه الإشارات مدفوعة بانتقال الشيرازي من النجف إلى سامراء في عام 1875م وانخراطه لاحقًا في الشؤون التي أدت إل ثورة التنباك الإيرانية في 1891-1892م. وفي حين أن ضآلة عدد الإشارات خلال فترة المماليك يمكن أن تُعزى إلى شحة التقارير التي كان الولاة يرسلونها إلى إسطنبول في فترات متباعدة، فإنها لا يمكن أن تفسر قلة الإشارات إن وجدت بعد عام 1831م حين استأنف العثمانيون حكمهم المباشر للعراق. ويتصل جزء من تفيسر ذلك بحقيقة أن العثمانيون لم يفهموا مدلولات تحول العشائر من الترحال والتنقل إلى حياة الاستقرار في العراق، ولم يدركوا حجم التشيع إدراكًا كاملًا إلا في وقت متأخر من القرن التاسع عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت