وبالنظر إلى هذه الملاحظة يبدو أن حجم التشيع في القرن التاسع عشر لا يمكن أن يُفهم فهمًا كاملًا إلا بوصفه نتيجة غير مقصودة للسياسة العثمانية في توطين العشائر التي استقرت. ففي عام 1831م استأنف العثمانيون ممارسة السيطرة المباشرة على العراق لتنتهي بذلك فترة المماليك. وبخلاف جهود المماليك لتحطيم العشائر بتوجيه ضربات إليها من حين لآخر دون توفير نمط حياة بديل فإن الحكام العثمانيين الجدد شجعوا أفراد القبائل على الاستقرار والتوجه نحو ممارسة الزراعة. وكان مجهود الحكام يعكس رغبة اسطنبول في توطين القبائل لزيادة الإنتاج الزراعي والعوائد المتحققة من لإدامة انخراط الإمبراطورية بصورة متزايدة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وعلى الرغم من أن توطين العشائر لم يتطور إلى سياسة واضحة في العراق إلا ابتداء من ولاية مدحت باشا (1869-1882م) فإن أسلافه العثمانيين أيضًا سعوا إلى توطين العشائر في إطار محاولاتهم لزيادة العوائد المستحصلة من العشائر. وتحسن أرواء المناطق المزروعة بشق قنوات جديدة مثل قناة الجحلة التي تسقي جزءًا من منطقتي العمارة والزبير. ونُظفت القنوات القديمة لتوسيع المساحات المزروعة وخاصة خلال ولاية رشيد باشا (1935-1857م) وعجّل مدحت بعملية توطين العشائر عندما طبق قانون الأرض العثماني في عام 1869م موفرًا لدافعي الضرائب ضمان حيازة الأرض بمنحهم صكوك تملك (سندات طابو) عن قطع الأراضي الخاضعة لإدارة الدولة. وإذ طبقت هذه السياسة أولًا في ناحية الهندية وفي المنطقة الواقعة بين الحلة والديوانية عمومًا قام بتشجيع بيع مساحات من أراضي الدولة على أصحاب الحيازات الأفراد، وخفض بدلات إيجار الأرض رابطًا بذلك رجال العشائر إلى الأرض في وسط وجنوب العراق [1] .
(1) العزاوي: تاريخ: 7/245-249