"لقد كان حري بابن تيمية هنا أن يعترف ـ كما فعل دائما ـ بالطبيعة المركبة للفتنة ، وباختلاط الشبهات والشهوات فيها ، ويقبل أن دوافع معاوية وعمرو لم تكن مجرد شبهة الاقتصاص للخليفة الشهيد ، بل خالطتها شهوة الملك وحب الدنيا ."
وقال ردا على ابن تيمية قوله المتقدم ص 178
"إن كل هذه النصوص تدل على أن معاوية سعى إلى الملك بالفعل وبالقول ، وصرح بمطامعه في قيادة الأمة دون لبس . فالقول بعد ذلك أنه لم ينازع عليا الخلافة ولا سعى إليها .. تكلف بارد كان الأولى بشيخ الإسلام ابن تيمية أن يتنزه عنه ."
على أن دور معاوية أكبر من مجرد الخروج على الجماعة ومنازعة الأمر أهله . فهو الذي أرسى نظام الملك بديلا عن دولة الخلافة ، فسن في الإسلامي تلك السنة السيئة ، وفتح بها أبوابا من المظلم التي لم تتوقف ، ومن الدماء آلتي لم تجف منذ أربعة عشر قرنا ، وأخرج بناء السلطة من إطار مبادئ الشرع: كالشورى والبيعة والعدل .. إلى منطق القوة وقانون الغاب ، وهو أمر لا يزال المسلون يعيشون مساوئه إلى اليوم .
فسواء تأولنا لمعاوية في مواقفه خلال الفتنة أم لم نتأول ، فإن سلوكه السياسي اللاحق ليس مما يمكن التأويل له ، وهو سلوك كان أبعد على الإسلام و المسلمين من الفتنة ذاتها ، بل من أي حدث تارخي خلال أربعة عشرة المنصرمة . فقد كانت الفتنة التي قادها معاوية هدما لأركان الخلافة الراشدة ، لكن ما فعله معاوية بعد الفتنة من توريث السلطة لابنه بالترغيب والترهيب كان أسوأ أثرا ، لأنه إرساء لبناء جديد منحرف على أنقاض تلك الخلافة ، وسد لأبواب استردادها . فليتكلف المتكلفون ما شاءوا في تأويلهم لما حدث أثناء الفتنة ، لكنهم لن يجدوا ما يتأولونه لما حدث بعد ذلك ، إذا كانوا حقا ممن يجعل قدسية المبادئ فوق مكانة الأشخاص .""