قوي نفوذ الشيخ علي الكركي المتوفى سنة 940هـ/1533م باعتباره نائب الإمام الغائب، فكان من يعزله لا يستخدم، ومن يوظفه لا يعزل، طاعته واجبة والخروج عن أوامره عين الكفر، وقد منحه الشاه الصفوي مرتبات كبيرة، وخصه بخراج عدد من القرى الزراعية، فحمله هذا على الانتصار للدولة والدعوة لها والتأليف في وجوب طاعتها إلى حد الإفتاء بجواز السجود للعبد، مما أثار عليه بعضًا من رجال الدين وفي قدمتهم الشيخ إبراهيم القطيفي المتوفى سنة 944هـ/1537م [1] . وإمعانًا من الكركي في السيطرة على الناس ببتداع أحكامًا تفي إلى التسليم له والتأسي به، وذلك في ظل اعتبار العقل أصلًا من أصول التشريع واعتماد الاجتهاد في استنباط الأحكام، وهو قد استخدم هذا الأصل الذي أقره الاثنا عشرية، في غير الموضع الذي جعلوه له، خدمة لمصالحه وتركيزًا لنفوذه. وبرغم مثل هذا الموقف فإن باب الاجتهاد ظل مفتوحًا عند أغلب الاثني عشرية، وقد جدت في العهد الصفوي حركة فلسفية نشيطة استهدفت البحث في العقيدة على أسس منطقية فلسفية، وعمدت كذلك إلى المزج بين التشيع والتصوف والفلسفة المشائية، فوفقت في ذلك بفضل دجهود ميرداماد وير فندرسكي ومحسن فيض والشيخ بهائي وعبد الرزاق اللاهيجي وسعيد القمي، بيد أن واحدًا منهم لم يصل إلى ما وصل إليه صدر الدين الشيرازي المتوفى سنة 1050هـ/1640م في إحكام عملية المزج تلك، فبدا بحق أحد فلاسفة الإسلام الكبار، إذ على يده اكتسب التشيع بالإضافة إلى بُعده الروحي المتأصل بُعدًا فلسفيًا متميزًا [2] .
(1) الفكر السلفي ص257-258.
(2) راجع: مباحث في علم الكلام والفلسفة ص285-201 منتخباتي از أثار حكماي إلي إيران از عصر بيداما دومير فندسكي تازمان حاضر، تحقيق وتعليق سيد جلال الدين آشتيياني وهندر كوربان، تهران ج1 1972، ج21975.