الصفحة 8 من 16

وأسبابهم ولم تركنوا إليها نصركم الله على عدوكم، لأن ذلك من أعظم أسباب غلبة العدو ووهنكم عند لقاءه وظهوره عليكم.

كما حدث في غزوة حنين عندما قال المسلمون؛"لا نغلب اليوم من قلة"، فهزموا ليعلموا أنهم لا يقاتلون وينتصرون بحولهم وقوتهم ولا بعددهم وعدتهم، وإنما النصر من عند الله، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم فقال: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا ثم وليتم مدبرين} .

ولأن الله تبارك وتعالى أمر بفعل الأسباب وأن لا يعتمد عليها وأن لا يتوكل إلا عليه وحده، قال تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ، وقال: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} ، وقال: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم} ، وقال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين ءامنوا إن الله لايحب كل خوانٍ كفور * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} ... إلى قوله: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌّ عزيز).

فمتى قام المجاهدون بذلك وتوكلوا على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وحققوا التوحيد بإخلاص التوكل عليه والاستعانة به وحده لا على حولهم وقوتهم؛ نصرهم الله نصرًا مؤزرًا وأمدهم بملائكة السماء، كما جرت بذلك عادته ومضت به سنته مع عباده المؤمنين وحزبه المفلحين، كما جرى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى} .

فإن علم الله منكم الإخلاص في معاملته وصدق النية أعانكم عليهم وأذلهم لكم وأمكنكم منهم وجعلهم غنيمةً باردةً ولقمةً سائغةً وثمرةً يانعة وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، فإنهم عبيده وتحت قهره وتصرفه نواصيهم بيده لا يخرجون عن ملكه طرفة عينٍ، فينجز لكم ما وعدكم به في قوله تعالى: {وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون * وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون * لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم جهنم ولبئس المصير} ، وهو الفعال لما يريد و ر لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد.

واعلموا؛ أن الجهاد والقتال في سبيل الله لا يقطع رزقًا ولايقربُ أجلًا، فالآجال محتومةٌ معلومة والأرزاق مقدرةٌ مقسومة وأن ما أخطأ الإنسان لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت