إنها قد دارت رحى الحرب، ونادى منادي الجهاد، وتفتحت أبواب السماء، وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة؛ الحرب في سبيل الله ثم في سبيل الدفاع عن الأرض والمال والعرض، ألم يبق في نفوسكم شعور؟ أم أضاع الرجال رجولتهم؟ فلا نامت أعين الجبناء.
تحرقي ياقلوب ألمًا وكمدًا، وادمع ِ ياعينُ دمًا، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخوض المعارك بشخصه الشريف وينادي معرفًا نفسه لفرط شجاعته وشدة بأسه وثبات جأشه فيقول:
(أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب) .
وإذا حميّ الوطيس والتحمت الصفوف واختلف الرجال بعضهم ببعض واشتدّ البأس احتمى به أصحابه وكان يقول: (أنا نبي الملحمة) .
وكان يحمل السلاح بيده ويظاهر بين درعين ويلبس المغفر ويركب الخيل ويحث المسلمين على قتال عدوهم ويستنهض هممهم، وقد أمره الله بذلك فقال: {يأيها النبيّ حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قومٌ لا يفقهون} .
وكان يقول صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سريةٍ ولوددتُ أني أُقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) .
وكان يذكرهم بما أعد الله للشهداء في سبيله ويقول: (من يبايع على الموت) .
وقد أدميت أصبعه فقال:
(هل أنت إلا أصبع دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ) .
وشجّ رأسه يوم أحد وأدمي وجهه الكريم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه ودخلت حلقة المغفر في وجنته.
وكان يقول: (بعثتُ بين يديّ الساعة بالسيف وجعل رزقي تحت ظل رمحي) .
ويقول للكفار: (جئتكم بالذبح) ، ويشير بيده إلى عنقه.
ولما دخل خيبر قال: (الله أكبر خربت خيبر وإنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين) - قالها ثلاثًا -