والحضاري، فبات الفتى الأرعن الرخيص فينا يتغنى بجارته ويتغزل بها، في حين لم يُعرف هذا عنا في جاهليتنا بَلْه إسلامنا، إذ كان شاعرنا الشهم الغيور على الأعراض يقول حينما يصادف جارته:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
ولقد نمّى الإسلام هذا الخلق الإنساني النبيل فينا، إذ حشد تلك النصوص الضخمة في رعاية الجار، وصيانة عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسد خلته، وغض البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه ويسيء إليه [1] .
والله سبحانه ذكر الإحسان إلى الجار بعد ذكر عبادته وحده لا شريك له، وبعد ذكر حقوق الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، فمما يدل على عِظم هذه الحقوق وتأكدها قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] .
(1) شخصية المسلم ص (178 - 179) نقلًا عن حقوق الجار ص (15 - 16) .