صار مثلًا رائعًا يضرب به المثل في الصبر على الحق، فلقد أعطي من الصبر واليقين ما نال به الإمامة في الدين، فقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها من أجل"القول بخلق القرآن"ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والولاة ما لا يحصيه إلا الله؛ فبعضهم تسلط عليه بالحبس وبعضهم بالتهديد، وبعضهم يعده بالقتل وبغيره من الرعب، وبعضهم بالترغيب في الرياسة والمال.
وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه، وقد أدخل السجن وامتحن امتحانًا ما شهد له مثيل؛ فقد ضرب بالأسواط حتى أغمي عليه، فلما أفاق يومًا من إغمائه صلى الظهر والدم يسيل في ثوبه، فقيل له في ذلك، فقال:"قد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب دمًا". وأثقلت يداه بالحديد، وتصبر على الجوع والعطش، كل ذلك من أجل مبدئه ومنهجه، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه من العلماء والصالحين، وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة، وما كتم العلم ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثاره ما دفع به البدع المخالفة لذلك ما لم يتأت لعالم من نظرائه، وقد انتقم الله له من بعض أعدائه باستجابة دعوته في شيخ المعتزلة أحمد بن أبي دؤاد، فشل نصف