فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 16

قعد بي عن ذلك هم كان يقعدني عن كل شأن حتى شأن نفسي. فلم أعد إلى القاهرة إلا بعد أعوام، فكان أول همي يوم هبطت أرضها أن أراه، فذهبت إلى منزله في الساعة الأولى من الليل، فرأيت ما لا تزال حسرته متصلة بقلبي حتى اليوم.

تركت هذا المنزل فردوسًا صغيرًا من فراديس الجنان، تتراءى فيه السعادة في ألوانها المختلفة، وتترقرق وجوه ساكنيه بشرًا وسرورًا، ثم زرته اليوم فخيل إلي أنني أمام مقبرة موحشة لا يهتف فيها صوت ولا يتراءى في جوانبها شبح ولا يلمع في أرجائها مصباح؛ فظننت أني أخطأت المنزل الذي أريده، أو أنني بين يدي منزل مهجور، حتى سمعت بكاء طفل صغير، ولمحت في بعض النوافذ نورا ضعيفا، فمشيت إلى الباب، فطرقته، فلم يجبني أحد، فطرقته أخرى فلمحت من خصاصه نورا مقبلا، ثم لم يلبث أن انفرج لي عن وجه غلام صغير في أسمال بالية يحمل في يده مصباحا ضئيلا، فتأملته على ضوء المصباح فرأيت في وجهه صورة أبيه، فعرفت أنه ذلك الطفل الجميل المدلل الذي كان بالأمس زهرة هذا المنزل وبدر سمائه، فسألته عن أبيه فأشار إلي بالدخول ومشى أمامي بمصباحه حتى وصل بي إلى قاعة شعثاء مغبرة بالية المقاعد والأستار، ولولا نقوش لاحت لي في بعض جدرانها -كباقي الوشم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت