في الثواب عن الأول، أو باختلاف العاملين، قلت: أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلة، ولا يعارضان حديث الباب أيضا لأن صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها).
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبرنا بحقيقة الدنيا التي نتمسك بها ونمتنع عن الجهاد والرباط من أجلها فيقول (لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء (رواه الترمذي
وقد ذكر الفقيه ابن تيمية عن فضل الرباط والمرابطين وذكر عددا من أهل العلم الذين كانوا يرابطون فلم يمنعهم العلم من الرباط والجهاد فقال ابن تيمية (فلذلك كان صالحو المؤمنين يرابطون في الثغور، مثل ما كان الأوزاعي، وأبو إسحاق الفزاري، ومخلد بن الحسين، وإبراهيم بن أدهم، وعبد الله بن المبارك، وحذيفة المرعشي، ويوسف بن أسباط، وغيرهم، يرابطون بالثغور الشامية. ومنهم من كان يجيء من خراسان والعراق وغيرهما للرباط في الثغور الشامية؛ لأن أهل الشام هم الذين كانوا يقاتلون النصارى أهل الكتاب) . مجموع فتاوى ابن تيمية / المجلد السابع والعشرون.
فإن هذه الطاعة وهي الرباط خير من الدنيا وما عليها. لو استطاع مسلم أن يمتلك الأرض وما عليها وينفقها في سبيل الله، وهذا أمر مستحيل! ما كان يعدل رباط ليلة في سبيل الله وهذا من فضل الله العظيم على المرابطين في سبيله أن ينالوا هذا الأجر الذي لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى فأين المشمرون للجهاد؟؟ وأين هم فرسان النهار ورهبان الليل؟
2 -عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ هَاذِهِ الآيَةِ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران الآية: 961) قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذالِكَ. فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ. لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ. ثُمَّ تَاوِي إلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ. فَاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاَعَةً. فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا. فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» .مسلم
شرح الحديث
قال القرطبي (وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه وأن حياة الشهداء محققة ... وصار قوم إلى أن هذا مجاز والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعيم في الجنة ... وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون وهذا هو الصحيح من الأقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع .... ) الجامع لأحكام القرآن، المجلد الثاني، ج4 ص 253 - 254
قال النووي في تفسير هذا الحديث: (والأصح عند أصحابنا أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن فإذا فارقته مات، قال القاضي: واختلفوا في النفس والروح فقيل هما بمعنى وهما لفظان لمسمى واحد) «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل» فيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة وهو مذهب أهل السنة وهي التي أهبط منها آدم وهي التي ينعم فيها المؤمنون في الآخرة هذا إجماع أهل السنة) (فقال لهم الله تعالى هل تشتهون شيئًا الخ» هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيدًا على ما أعطاهم فسألوه