قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرفَ بليله إذا الناسُ نائمون، وبصومه إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناسُ يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون"قال محمد بن كعب: كنا نعرفُ قارئ القرآن بصفرة لونه، أي من طول التهجّد.
قال أحمد بن أبي الحواري: إني لأقرأ القرآن وأنظرُ فيه آيةً آيةً فيحيرُ عقلي بها، وأعجبُ من حفّاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقّه وتلذذوا به واستحْلَوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحًا بما قد رُزِقوا.
من يُرِدْ ملك الجنان ... فليدع عنه التواني
وليقمْ في ظلمة اللـ ... ـــيلِ إلى نورِ القُرانِ
وليصل صومًا بصوم ... إن هذا العيش فاني
إنما العيش جوارُ ... اللهِ في دارِ الأمان
خامسًا: الدعاء: وخاصةً في حال الصيام، فإنه من أحرى أوقات الإجابة، ولذا جعل الله آية قربه من داعيه وإجابته لدعوته بين آيات الصيام، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ، إذًا على العبد الدعاء وعلى الله الإجابة؛ فألحَّوا على الله بالدعاء يا عباد الله، خاصةً وقد اجتمع لك مع الصوم؛ شرفُ الزمان الذي تُفتَّحُ فيه أبوابُ الجنة وتُغلقُ فيه أبواب النار. إذًا الصومُ مظنةٌ لإجابة الدعاء كما جاء في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثةٌ لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر .."الحديث.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا دُعيَ أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلِّ، وإن كان مفطرًا فليطعم"رواه مسلم، قوله: كان صائمًا فليصلِّ: أي فليدعو، وهذا دليلٌ على إجابة دعوة الصائم، فيدعو لمن دعاه مكافأةً له على دعوته إياه، وكذلك يحرص الصائم على الدعاء والاستغفار وقت الأسحار، لأن وقت السحر وقتُ نزول الرب سبحانه وتعالى، وقد أثنى الله على من يدعوه ويستغفره في هذا الوقت، قال الله عز وجل في الحديث القدسي:"من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له"متفق عليه، قال تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} وقال تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فاستغلّ أيها المسلم هذا الوقت فإنَّ فيه فضيلتين: فهو وقت السَّحرِ وأكلة السحور، قال صلى الله عليه وسلم:"تسحّروا فإن في السحور بركة"متفقٌ عليه عن أنس [1] .
(1) واعلم أن في أكلة السَّحَرِ إظهارًا لمخالفة أهل الكتاب، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم:"فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر"رواه مسلم، واعلم أن السنة في أكلة السحور هو التأخير، لا كما يفعل بعض الناس اليوم، يأكل في وسط الليل، ويبادر في سحوره، بل السنة خلاف ذلك، قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} وفي الصحيحين عن عائشةَ وابن عمر رضي الله عنهما أن بلالًا رضي الله عنه كان يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"، وفي لفظٍ:"وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحت"وهذا يدلُّ على استحباب تأخير السحور إلى أن يتبيّن الصبح ويظهر، قال عمرو بن ميمون:"كان أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا"رواه عبد الرزاق بسندٍ صحيح، قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور؛ صحاحٌ متواترة.
وهذه المسألة قد أحدث الناس فيها خلاف الشرع، حيث إنهم يؤذنون على حسب التقويم، ويبكّرون في أذان الفجر قبل الوقت، فيترتب على ذلك منع الناس من حقهم في الأكل والشرب حتى يتبيّن الصبح، وأيضًا يمنعُ الناس من الدعاء في وقت السحر، وأيضًا: النساء في البيوت يبادرن بالصلاة قبل الوقت من حين سماعهن للأذان، وكذلك مبادرة الأئمة بصلاة الفجر خاصةً في رمضان فيجعلون الناس يُصلّون قبلَ الوقت، وقد تتبعتُ الوقتَ منذ أعوام فرأيتُ أن التقويم والمؤذنين يؤذنون قبل الوقت في كثير من الأحيان فعلى المسلم أن يتحري لدينه، وقد ذكر شيخ الإسلام أن المؤذنين في دمشق يؤذنون قبل الوقت.
قال ابن حجر عند شرحه لباب"تعجيل الإفطار"تنبيه: من البدع المنكرة ما أُحدِثَ في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعِلت علامةً لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياطِ في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت - زعموا - فأخّروا الفِطرَ وعجّلوا السحور وخالفوا السنة، فلذلك قلّ عنهم الخير، وكثيرٌ فيهم الشرّ، والله المستعان"أ. هـ"
فإذا تبيّن ذلك؛ فلا تبرأ ذمة المؤذن بأن يؤذن على حسب التقويم أو الإذاعة، بل يجب عليه أن يتبيّن طلوع الفجر كما أمره الله - في أذان الفجر -، وكذلك لا يجوز للإمام أن يصلي قبل الوقت، والذي لديه شكٌ أو ريب فلا يسعه إلا أن يخرج ويرى الصبح بنفسه لأن الله أمرَ بالتبيّن والخطاب عام، قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} والصبح ليس فيه خفاء كما قال ذلك الحسن البصري.
وكذلك مما يبتدعه بعض المؤذنين - خاصةً في العشر الأواخر من رمضان - إيقاع الأذان الأول قبل الأذان الثاني بساعة فأكثر، وهذا العمل من البدع، وبعضهم ينادي من أجل أن يقوم الناس لصلاة القيام، ومتى كان للقيام أذان؟ فاتقوا الله، ولا تُحدثوا في دين الله ما ليس منه، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"إن بلالًا كان يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا"رواه النسائي وأصله في الصحيحين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلالٌ وابن أم مكتوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا. رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه وقال: وعن عائشة رضي الله عنها بمثله، وجاء عند أحمد من حديث أنيسةَ بنت خبيب.