الصفحة 47 من 88

كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وهذا يدل على شدة عداوة الكافرين ليقطع المودة بيننا وبينهم.

وهذا ما تنطوي عليه ضمائرهم وتكنه سرائرهم من الحسد والغل لأهل الإيمان. لكنه يغيظهم ويرغمهم بتعلق أهل الإيمان والجهاد بالصبر والتقوى والتوكل على الحي القيوم، لأن الله هو المحيط بأعدائكم ويرد كيدهم، قال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .

ومما يغيظ أعداء الله الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام أو لديار تستطيع أن تتعبد الله عز وجل فيها بدون أذى، قال تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} .

فإن هجرة المسلم فيها مراغمة لأهل الكفر، وإن من أشد ما يرغمهم هو مفارقتهم وهجر ديارهم، وانظر لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهجرة إلى المدينة جعل المشركون في ذلك ديةً لمن يأتي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة من الإبل لمن يأتي به حيًا أو ميتًا هو أو صاحبه، وهكذا أرسل المشركون للنجاشي بأن يسلّم من عنده من المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، وأعطوا النجاشي الهدايا لكي يسلمهم فقالوا: (أيها الملك؛ إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن، ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عَيْنًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه) رواه أحمد بسند جيد، إذًا دل فيما تقدم على أن الهجرة فيها إغاظة لأعداء الله، وأن كل ما يغيظ أعداء الله قربة يتقرب بها العبد إلى الله، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

ومن أشد ما يغيظهم قتالهم وتهديدهم بذلك، ولذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالبيت:"يا معشر قريش أتسمعون: والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح"فبعد ذلك أفزع أشراف قريش وتغيرت معاملتهم معه. وقد جاءت النصوص بالشدة على الكفار والإغلاظ عليهم. وهذا من أعظم وصف أهل الإيمان، بخلاف المنافقين أهل التعايش والانبطاح والتذلل لأهل الكفر، قال تعالى في وصف نبينا - صلى الله عليه وسلم - ومن معه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} فهذا الوصف وكثرة الطاعات التي يقومون بها كما ذكر الله في الآية هي التي تغيظ العدو، فقال تعالى في آخر الآية: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} وأن من قام بهذه الأمور فقد وعده الله وعدًا عظيمًا، كما قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} .

فوصف أهل الإيمان الكمّل هو: أن يكون شديدًا عنيفًا غضوبًا عبوسًا مضيّقًا مقاتلًا للكفار، قال تعالى: {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} وقال الله آمرًا نبيه بمجاهدتهم والإغلاظ عليهم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وكما روى مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطرق"فهذه حياة الكفار والمنافقين في الدنيا؛ قطعٌ لرؤوسهم، والتقرب إلى الله بذلك، وبإذلالهم بأخذ الجزية منهم عن يدٍ وهم صاغرون كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} ، وفي الحياة الأخروية مآلهم جهنم، وبئس المصير ومن يهن الله فماله من مكرم، والنصوص تواطأت على وجوب قتالهم في كل موطن، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما مات حتى طهر الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت