هو القدوةُ للعالمين، والمحجةُ للسالكين، والحجةُ على المعاندين، والرحمةُ للعالمين، والحسرةُ على الكافرين، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، فشرح الله صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذل والصغار لمن خالف أمره، أيده ربه بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه الكتاب المبين، الفارق بين الهدى والضلال، والغي و الرشاد، والشك واليقين. فدين الحق لا يُلتمس إلا بما جاء به هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} فالإيمان به خير للمؤمنين، في أبدانهم، وقلوبهم، وأرواحهم، ودنياهم، وأخراهم، وفي كل أحوالهم. قال ابن القيم رحمه الله عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} : (فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس هذا أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم؟) وليس لك هداية إلى الطريق القويم والصراط المستقيم إلا بذلك قال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ولا تكون لك طاعة لله إلا بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله, ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني"وفي هذا دليل على عصمته - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا لأنه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه، ووحيه وتنزيله.
وأوجب ربنا علينا نصرته وتعزيره قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} أي تعظموه وتجلوه وتحترموه ولا تقدموا قول أحد كائنًا من كان بين يده. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي لا تعجلوا بقولٍ ولا فعلٍ قبل أن يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يفعل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وهو القدوة التي يجب أن يتأسى المؤمن بها قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} قال ابن كثير رحمه الله: (هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله, ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظار الفرج من ربه عز وجل, صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين, ولهذا قال تعالى للذين تقلقلوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله - صلى الله عليه وسلم -) أ. هـ. إذًا كيف تشح بنفسك في أمر جاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه فيه؟! بل تمنى أن يكون فراقه للدنيا شهادةً في سبيل الله بقوله - صلى الله عليه وسلم:"وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل"!! فاحذر ذلك كل الحذر أيها القاعد عن الجهاد فكيف إذا كنت قاعدًا مثبطًا مبلغًا الطواغيت عن المجاهدين أو آمرًا بالتبليغ عنهم؟ إنها ظلماتٌ بعضها فوق بعض ولكن: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} وكما قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} فكل معرض عن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيندم يوم القيامة غاية الندم فلا ينفعه تأسفه وتحسره وحزنه كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} وقد ختم الله الرسالات برسالته فمن رحمة الله تعالى بالعباد أن أرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ثم من تشريفه لهم خَتْمُ الأنبياء والمرسلين به، وإكمالُ الدين الحنيف له، وقد أخبر الله تعالى في كتابه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما تواتر عنه أنه لا نبي بعده، فمن ادعى هذا المقام بعده فهو كافرٌ كذابٌ دجالٌ ضالٌ مضلٌ، كما قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} .