الصفحة 3 من 3

أن أصل العلوم الشرعية ومفتاحها , ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها وعمدة المناهج اليقينية ورأسها , ومبنى شرائع الإسلام وأساسها , ومستند الروايات الفقهية كلها , ومأخذ الفنون الدينية دقها وجلها , وأسوة جملة الأحكام وأسها , وقاعدة جميع العقائد وسقفها , وسماء العبادات وقطب مدارها , ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها , هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع الكلم , وتنفجر منه ينابيع الحكم , وتدور عليه رحى الشرع بالأسر وهو ملاك كل نهي وأمر , ولولاه لقال من شاء ما شاء , وخبط الناس خبط عشواء , وركبوا متن عمياء , فطوبى لمن جد فيه , وحصل منه على تنويه يملك من العلوم النواصي , ويقرب من أطرافها البعيد القاصي.

ومن لم يرضع من دره , ولم يخض في بحره , ولم يقتطف من زهره , ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام فقد جار فيما حكم , وقال على الله تعالى مالم يعلم , كيف وهو كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين وقد أوتى جوامع الكلم , وسواطع الحكم من عند رب العالمين , فكلامه أشرف الكلم وأفضلها , وأجمع الحكم وأكملها , كما قيل: كلام الملوك ملك الكلام , وهو تلو كلام الله تعالى العلام , وثاني أدلة الأحكام.

فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها , وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها , وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطميرها تتوقف على بيانه - صلى الله عليه وسلم - فإنها مالم توزن بهذا القسطاس المستقيم , ولم تضرب على ذلك المعيار القويم , لا يعتمد عليها , ولا تصارإليها , فهذا العلم المنصوص , والبناء المرصوص بمنزلة الصراف لجواهر العلوم عقليها ونقليها , وكالنقاد لنقود كل فنون أصليها وفرعيها من وجوه التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام ومأخذ عقائد الإسلام , وطرق السلوك إلى الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام.

ولذلك قمت بعون الله وفضله ومنه وكرمه بنظم علم أصول الحديث في منظومة اسميتها (الطالب الحثيث في علم مصطلح الحديث) وهذا كعادة المتقدمين والمتأخرين في نظم العلوم الشرعية وبالأخض علوم الاصول لتيسيرها على المحبين وطلاب العلم، ولقد رأيت في ما نظم في هذا العلم إما أن يكون قصيرًا لم يف بالعلم كله أو بمعظمه كمنظومة البيقوني مثلًا وإما أن يكون كبيرًا جدًا بحيث يصعب حفظه وهضمه كألفيه السيوطي أو ألفيه الحافظ العراقي، وأنا لا أقلل من شأن ما سبق من النظم حاشا وكلا، فما أكون أنا بجوار هؤلاء نسأل الله تعالى أن يرزقنا القبول والإخلاص.

ولقد توخيت في هذا النظم الاختصار مع الاستيعاب للعلم، وراعيت سهولة الأسلوب، وإيجاز العبارة، ووضوح اللفظ، ودقة التنسيق.

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم ألقاه، وأن ينفع به الطلاب والدارسين حتى يتمكنوا من تلاوة كتاب الله تعالى على الوجه الذي يرضيه إنه سميع مجيب.

كما أهيب بكل من يقرأ هذا الكتاب أن لا ينسانا من دعوة صالحة في ظهر الغيب حتى يقول له الملك:"ولك بمثل"وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على حبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت