إن الصواب في هذه المسألة والله أعلم أنه إن كان المقصود من القول بالنسء أن للمسلم حال الضعف أن يأخذ نفسه بالصفح والعفو والكف عن الجهاد، فإن ذلك معنى صحيح لما تقرر من أن القدرة شرط في وجوب الجهاد وغيره من الواجبات الشرعية، لكن لا حاجة لمخالفة ما استقر عليه أهل العلم من السلف والخلف من أن المرحلة الأخيرة ناسخة لما قبلها من المراحل، ذلك أنه لا ينافي القول بالنسخ أن نقول: إنه يجوز للمكلف أن يعمل بآيات الصفح والعفو عند عجزه وعدم قدرته على الجهاد، ويكون ذلك من باب سقوط الواجب للعجز عنه.
فالأمر بامتثال الناسخ وترك المنسوخ مشروط بالقدرة التي هي شرط وجوب الأحكام؛ وذلك لأن النص الناسخ مثله مثل أي نص شرعي آخر: إن كان ناهيًا عن شيء وجب اجتنابه فلا يجوز إتيانه إلا للضرورة التي تقدر بقدرها، وإن كان آمرًا بشيء وجب إتيانه قدر الطاقة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) .
فمتى كان المرء غير قادر على امتثال الناسخ سقط عنه وقد يؤدي ذلك إلى امتثاله الحكم المنسوخ، ولا يمنع ذلك من القول بالنسخ، ومن ذلك أن استقبال بيت المقدس في الصلاة قد نُسخ بالأمر باستقبال البيت الحرام، ومع ذلك فمن عجز عن استقبال القبلة لم يكلف بذلك، كما قال ابن عمر - بعد أن وصف صلاة الخوف: (فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) ، قال نافع: (لا أرى عبد الله بن عمر حدثه إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) (2) .
وذلك أن الشريعة قد فرقت في المأمورات كلها - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - بين القادر والعاجز، (( فمن كان قادرًا على الصلاة إلى القبلة قائمًا بطهارة لم يكن له أن يصلي بدون ذلك، بخلاف العاجز فإنه يصلي بحسب حاله كيف أمكنه، فيصلي عريانًا، وإلى غير القبلة، وبالتيمم إذا لم يمكنه إلا ذلك ) ) (3) .
والمقصود أن استقبال القبلة يسقط عن العاجز عنه، وقد لا يتيسر لهذا العاجز أن يصلي إلا مستقبلًا بيت المقدس، فيكون قد أتى الحكم المنسوخ لعدم استطاعته إتيان الناسخ.
وكذلك نقول في مسألة الجهاد؛ إن من لم يكن قادرًا على امتثال أحكام المرحلة الأخيرة لم يكلف بها، وكانت له مندوحة في الأخذ بما قبلها من الأحكام المنسوخة دون أن يعني ذلك أن تلك المراحل ليست بمنسوخة.
وإذن فلا يمنع القولَ بالنسخ أن لا تتمكن فئة من المسلمين - قلت أو كثرت - من العمل بالناسخ، ونحن نعلم أنه كان في مكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مستضعفون من المؤمنين وظلوا كذلك إلى فتح مكة، وكانت أحكام القتال تنزل وهم غير مطالبين بها لضعفهم ولم يكن ذلك قادحًا في انتهاء مرحلة العفو والصفح، وأهل العلم من السلف ومن بعدهم حين قالوا بنسخ مراحل الجهاد السابقة لم يكن يخفى عليهم أنه حال نزول الآيات الناسخة كان هناك فريق من المؤمنين لا يستطيعون القيام بالحكم الجديد، ولم يمنعهم ذلك من القول بالنسخ لعلمهم أنه لا يقدح في كون الحكم منسوخًا أن لا يستطيع البعض امتثال الناسخ وترك المنسوخ.
أما إن كان المقصود بالنسء أنه يمكن أن يعود حكم الجهاد بالنسبة للأمة كلها إلى ما كان عليه الحال في العصر المكي، بحيث يكون فرض جميع أفرادها العفو والصفح وعدم القتال مطلقًا، فإن ذلك خطأ بلا ريب، إذ هو مخالف لما قد صح في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) (4) .
وفي حديث جابر بن سمرة: (لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة) (5) .
وفي حديث عقبة بن عامر: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) (6) .
وفي حديث عمران بن حصين: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرُهم المسيحَ الدجال) (7) .
وفي حديث معاوية بن أبي سفيان: ( ... ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة) (8) .
وعن سلمة بن نفيل قال: (كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح، وقالوا لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: كذبوا الآن الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق؛ ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله ... ) (9) .
وعن النواس بن سمعان قال: (فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فأتيته فقلت يا رسول الله سيبت الخيل ووضعوا السلاح فقد وضعت الحرب أوزارها، وقالوا لا قتال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا الآن جاء القتال الآن جاء القتال، إن الله جل وعلا يزيغ قلوب أقوام يقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله على ذلك وعقر دار المؤمنين الشام) (10) .
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمته تقاتل في سبيل الله وأن ذلك لا ينقطع حتى آخر الزمان، وبهذا المعنى ترجم كثير من الأئمة لهذا الحديث فقد قال أبو داود في سننه: (( باب في دوام الجهاد ) ) (11) ثم ذكر حديث عمران بن حصين السابق، وكذلك قال ابن الجارود: (( باب دوام الجهاد إلى يوم القيامة ) ) (12) ثم ذكر حديث جابر السابق.
وقال الإمام الخطابي: (( فيه بيان أن الجهاد لا ينقطع أبدًا، وإذا كان معقولًا أن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلًا، فقد دل هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب كهو مع أهل العدل ) ) (13) .
وقال النووي: (( وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة؛ فإن هذا الوصف مازال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث ) ) (14) .
وقد صح في الحديث أيضًا: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة) (15) .
قال الحافظ في شرح هذا الحديث: (( وفيه أيضًا بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون وهو مثل الحديث الآخر:(لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ... ) ) (16) .
وقد رجح الشيخ سليمان بن عبد الله النجدي أنه لا يلزم أن تكون الطائفة المنصورة بالشام دائمًا، وكان من أدلته في ذلك انقطاع الجهاد منذ زمن في تلك البلاد، حيث قال عن أهل الشام (( وأيضًا فهم منذ أزمان لا يقاتلون أحدًا من أهل الكفر، وإنما بأسهم وقتالهم بينهم، وعلى هذا فقوله في الحديث: هم ببيت المقدس، وقول معاذ هم بالشام المراد أنهم يكونون في بعض الأزمان دون بعض وكذلك الواقع فدل على ما ذكرنا ) ) (17) .
والمقصود أنه لا تزال في الأمة فئة مقاتلة على الحق وإنْ قلَّت إلى أن يأتي أمر الله المذكور في الحديث، ومعنى ذلك بطلان القول بأنه يمكن أن ترجع الأمة كلها إلى حالة من الاستضعاف كالتي كان عليها المسلمون في العصر المكي بحيث يكون فرض الجميع هو العفو والصفح وترك القتال.
والغربة التي لا يكون فيها جهاد ولا قتال هي غربة آخر الزمان التي تكون عقب موت عيسى عليه السلام، فإنه تحل الغربة التامة الكاملة، وتأتي الريح الطيبة التي تنزع أرواح المؤمنين فيسود الكفر ولا يبقى في الأرض من يقول الله، وبدهي أنه في تلك الغربة لا يكون جهاد ولا أمر ولا نهي.
أما الغربة المقيدة الجزئية التي قد تقع قبل ذلك، والتي تكون في مكان دون مكان أو بالنسبة لبعض الشرائع دون بعض، فهذه لا تمنع المسلمين من القيام بما يستطيعونه من أمر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن الواجب عليهم في مثل هذه الفترات أن يبذلوا جهدهم في دفع تلك الغربة ومن وسائل ذلك الجهاد في سبيل الله، وأحاديث الطائفة المنصورة دالة كما أسلفنا على بقاء الجهاد حتى في تلك الأزمنة التي تقع فيها تلك الغربة الجزئية، وأنه مستمر إلى عصر ظهور الدجال ونزول عيسى عليه السلام، فالأمر كما يذكر الشيخ سلمان العودة - فك الله أسره - أننا (( كما نجد مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في واقع الأمة في الأزمنة المتأخرة في الإخلاد إلى الدنيا وترك الجهاد والرضى بالزرع والتبايع بالربا وتسليط الأعداء ونزع المهابة منها وإصابتها بالوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت؛ نجد أيضًا مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من دوام الجهاد واستمراره وبقاء طائفة من أمته يقاتلون على الدين ظاهرين؛ فقد ظل بعض المخلصين يقاتلون أعداء الله من المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين والطليان وغيرهم من أمم الكفر، ثم يقاتلون اليهود في بلاد الشام وغيرها ... وهؤلاء وأولئك هم الذين يحاولون دفع الغربة عن هذه الشعيرة العظيمة شعيرة الجهاد ... فلا تكاد راية الجهاد تترنح في يد قوم إلا تلقفها قوم آخرون مصداقًا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أعزة على الكافرين أعزة على المؤمنين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ... ) ) (18) .
ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية أكثر دقة واتباعًا لمنهج السلف حين قال - كما أسلفنا - بالنسخ مع أنه رخص لغير القادر أن يعمل بآيات الصبر والعفو؛ وذلك حيث يقول: (( فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ) (19) .
فقد جعل رحمه الله الأمر راجعًا لحال الشخص فمن كان قادرًا عمل بآيات القتال ومن كان ضعيفًا عمل بآيات الصفح، دون أن يغير ذلك من أصل المسألة وهو أن المسلمين مطالبون بآخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك هو الأمر الواجب على الأمة إلى يوم الدين، ومما يؤكد ذلك أنه قد نبه في نفس الموضع على أن العمل بآيات القتال باقٍ إلى قيام الساعة وذلك حيث يقول: (( وصارت آية الصغار على المعاهدين(20) في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو بلسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق، ينصرون الله ورسوله النصر التام )) (21) .
(1) أخرجه البخاري (2788) ومسلم (1237) وابن ماجه (2) والنسائي (5/ 110) من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه مالك (1/ 184) ومن طريقه أخرجه البخاري (4535) ، والشافعي في مسنده (ص: 23، 235) ، وابن خزيمة في صحيحه (2/ 90) ، (2/ 306) ، وابن الجارود في المنتقى (234) ، والبيهقي في سننه الكبرى (2/ 8) ، (3/ 256) .
(3) مجموع الفتاوى: (24/ 185) .
(4) أخرجه بهذا الفظ مسلم (156) ، (1923) وأحمد (3/ 345) ، (3/ 384) وابن حبان (6780 - إحسان) وابن الجارود في المنتقى (1031) من حديث جابر بن عبد الله.
(5) أخرجه مسلم (1922) .
(6) أخرجه مسلم (1924) .
(7) أخرجه أحمد (4/ 437) وأبو داود (2484) .
(8) أخرجه مسلم (1037) (ك الإمارة حديث رقم: 175) .
(9) أخرجه النسائي في سننه (6/ 214) 215)، وفي السنن الكبرى (4401) ، (8712) ، وأحمد (4/ 104) ، والطبراني في الكبير (6357) ، (6358) ، وابن سعد في طبقاته (7/ 427) ، والبخاري في التاريخ الكبير (2/ 2/17) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1935) .
(10) أخرجه ابن حبان [ (7307) - إحسان] .
(11) سنن أبي داود (3/ 11) .
(12) المنتقى (ص: 257) .
(13) معالم السنن المطبوع بهامش سنن أبي داود (3/ 11) .
(14) شرح صحيح مسلم (7/ 77) .
(15) أخرجه بهذا اللفظ البخاري (2850) ، (2852) ومسلم (1873) من حديث عروة بن الجعد، وفي الباب عن ابن عمر وأنس وغيرهما.
(16) فتح الباري: (6/ 56) .
(17) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص: 381) .
(18) من وسائل دفع الغربة: (ص: 62) 63).
(19) الصارم المسلول ص: 221.
(20) كذا بالمطبوعة ولعلها: (المعاندين) .
(21) المصدر السابق: (ص: 221) .