[مُرْسَلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِبَعْضِ مَعْنَى الْحَدِيثِ]
قَالَ الْحَافِظُ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ بَعْضُ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلِيٌّ أَقْضَى أُمَّتِي، وَأُبَيٌّ أَقْرَؤُهُمْ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِينُهُمْ» . ذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ (1) .
وَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَمُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ كُنْيَتُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَمَرَاسِيلُ الْحَسَنِ قَدْ عُرِفَ الْكَلامُ فِيهَا، وَأَنَّهَا مِنْ أَضْعَفِ الْمَرَاسِيلِ (2) ، وَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَأُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا.
قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ: «عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَأُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا» (3) .
[الْخُلاصَةُ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي: وَالأَقْرَبُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ كُلِّهَا حَدِيثُ أَنَسٍ، وَالأظْهَرَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَبَاقِي الأَحَادِيثَ فِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ، وَبَعْضُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّصِلٌ لا شَكَّ فِيهِ كَذِكْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ قَطْعًا، وَبَعْضُهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَمُحْتَمَلٌ، وَفِيهِ ارْتِيَابٌ.
وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ـــ هامش ـــ
(1) أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي «كِتَابِ الاسْتِيعَابِ» (1/ 8) .
(2) كَأَنَّهُ يُشِيْرُ إِلَى مَا قَالَهُ الإمَامُ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الْمُرْسَلاَتِ شَيْءٌ أَضْعَفُ مِنْ مُرْسَلاَتِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، كَانَا يَأْخُذَانِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَمُرْسَلاَتُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَصَحُّ المُرْسَلاَتِ، وَمُرْسَلاَتُ إِبْرَاهِيْمَ النَّخَعِيِّ لاَ بَأْسَ بِهَا.
وَأَقْدَمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ: الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ.
رَوَى دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عن الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَوْ لَقِيتُ هَذَا - يَعْنِي الْحَسَنَ - لَنَهَيْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
وَرَوَى عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ - وَكَانَ عَالِمًا بِأَبِي الْعَالِيَةِ وَبِالْحَسَنِ - قَالَ: لا تَأْخُذُوا بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ، وَلَا أَبِي الْعَالِيَةِ، فَإِنَّهُمَا لا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا.
وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ أَرْبَعَةٌ يُصَدِّقُونَ مَنْ حَدَّثَهُمْ، وَلَا يُبَالُونَ مِمَّنْ يَسْمَعُونَ الْحَدِيثَ: الْحَسَنُ , وَأَبُو الْعَالِيَةِ , وَحُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ , وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ.
وَآخَرُونَ يَقْبَلُونَ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ، وَيَحْتَجُّونَ بِهَا بِشُرُوطٍ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَأَنْ تَكُونَ لَهَا أُصُولٌ مُسْنَدَةٌ أَوْ مُرْسَلَةٌ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: مُرْسَلاتُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الَّتي رَوَاهَا عَنْهُ الثِّقَاتُ صِحَاحٌ , مَا أَقَلَّ مَا يَسْقُطُ مِنْهَا.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدْتَ لَهُ أَصْلًا ثَابِتًا، مَا خَلاَ أَرْبَعَةِ أَحَادِيْثَ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: مَا قَالَ الْحَسَنُ فِى حَدِيثِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ وَجْدَنَا لَهُ أَصْلًا إِلاَّ حَدِيثًا أَوْ حَدِيثَيْنِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخْرَى، مَبْسُوطَةٌ فِي بَابِ الْمُرْسَلِ مِنْ كُتُبِ شُرُوحِ الْمُصْطَلَحِ.
(3) فِِي الْمُسْنَدِ (5/ 113) .
[اسْتِدْرَاكَاتٌ وَتَتْمِيمَاتٌ]