حَدِيثُ أَبِي مِحْجَنٍ شَاذٌّ
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِى مِنْ حَدِيثِ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ أَيْضًا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي «كِتَابِ الاسْتِيعَابِ» (1/ 16) : وَفِيمَا رَوَاهُ شَيْخُنَا عِيسَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدَانَ الْمُقْرِئُ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ (ح) وَأَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ أنا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْعَامِرِيُّ بِالْكُوفَةِ ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ثَنَا أَبُو سَعْدٍ الأَعْوَرُ يَعْنِي الْبَقَّالُ وَكَانَ مَوْلَى لِحُذَيْفَةَ قَالَ: ثَنَا شَيْخٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، يُقَالُ لَهُ أَبُو مِحْجَنٍ أَوْ مِحْجَنُ بْنُ فُلانٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَرْأَفَ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَقْوَاهَا فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهَا عَلِيٌّ، وَأَقْرَؤُهَا أُبَيٌّ، وَأَفْرَضُهَا زَيْدٌ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» .
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الإِسْنَادَ أَيْضًا ضَعِيفٌ، لا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهِ. وَأَبُو مِحْجَنٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِالرِّوَايَةِ. وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمُّوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: تَرَكَ أَبِي حَدِيثَ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ: مَا رَأَيْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَمْلَى عَلَيْنَا إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا حَدِيثَ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ، قِيلَ لَهُ: لِمَ قَالَ بِضَعْفِ أَبِي سَعْدٍ عِنْدَهُ. وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، زَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ لا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْءٍ وَكَانَ أَعْوَرَ، وَكَانَ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفََلاَّسُ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَيِّنُ الْحَدِيثِ مُدَلِّسٌ، قِيلَ: هُوَ صَدُوقٌ، قَالَ: نَعَمْ، كَانَ لا يَكْذِبُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ كَثِيرَ الْوَهْمِ، فَاحِشَ الْخَطَإِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ: حَدَّثَ عَنْهُ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ ثِقَاتِ النَّاسِ، وَلَهُ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْءٌ صَالِحٌ، وَهُوَ فِي جُمْلَةِ ضُعَفَاءِ الْكُوفَةِ، الَّذِينَ يُجْمَعُ حَدِيثُهُمْ وَلا يُتْرَكُ، وَكَانَ قَاسِمٌ الْمُطَرِّزُ قَدْ جَمَعَ حَدِيثَهُ يُمْلِيهِ عَلَيْنَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ طَرْخَانَ ثنا الْبِيكَنْدِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِشَرِيكٍ: أَتَعْرِفُ أَبَا سَعْدٍ الْبَقَّالَ؟، قَالَ: أَيْ وَاللَّهِ أَنَا أَعْرِفُهُ عَالِيَ الإِسْنَادِ أَنَا حَدَّثْتُهُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» ، فَتَرَكَنِي، وَتَرَكَ عَبْدَ الْكَرِيْمِ وَزِيَادًا، وَحَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَنَا ابْنُ قُهْزَاذَ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالِقَانِيَّ، يَقُولُ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ، فَقَالَ: كَانَ قَرِيبَ الإِسْنَادِ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُرِيدُ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِقَوْلِهِ: كَانَ قَرِيبَ الإِسْنَادِ أَيْ: إِنَّا كَتَبْنَا عَنْهُ نَعْرِفُ إِسْنَادَهُ، وَلَوْلا ذَاكَ لَمْ يَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا، وَالصَّحِيحُ عَنْ وَكِيعٍ عَدَمُ تَوْثِيقِهِ لَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَثَّقَ شَيْخَهُ أَبَا وَائِلٍ، وَسَكَتَ عَنْهُ، بَلْ ظَاهِرُ كَلامِهِ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ، وَفِي الْجُمْلَةِ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ شَاذٌّ غَرِيبٌ، لا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.