لالتقاءِ الساكنيْنِ، فصارَ: أَرَقْتُ. وقَالُوا في المستقبَلِ: أُرِيقُهُ، والأصلُ: أُؤَرْيِقُهُ، مثلُ أُدَحْرِجُهُ، فنَقَلُوا حركةَ الياءِ إلى الراءِ وسُكِّنَت الياءُ، فصارَ أُؤَرِيقُهُ، ثُمَّ حذَفُوا إحدَى الهمزتيْنِ؛ لاسْتِثْقَالِهِم الجمعَ بينَهما، فصارَ: أُرِيقُهُ.
ومن العربِ مَنْ يُبْدِلُ من الهمزةِ الهاءَ، فيَقُولُونَ: هَرَقْتُ الماءَ، وقَالُوا في المستقبَلِ: أُهَرِيقُهُ، ولم يَحْذِفُوا الهاءَ؛ لأنَّهُ لم يَجْتَمِعْ فيهِ مِثْلانِ كما اجْتَمَعَ في أُؤَرِيقُهُ، فَاحْتَاجُوا إلى حَذْفِ أَحَدِهما.
وقَالُوا: أَهْرَقْتُ الماءَ فأنا أُهْرِيقُهُ، بسكونِ الهاءِ في الماضي والمستقبَلِ جميعًا. فالهاءُ في المسألةِ الأولى مفتوحةٌ في الماضي والمستقبَلِ؛ لأنَّها فاءُ الكلمةِ، وفي هذهِ المسألةِ الأخيرةِ زائدةٌ.
وإنَّما زَادُوها ليكونَ جَبْرًا لِمَا دَخَلَ الكَلِمَةَ من الحذفِ، كما زَادُوا السِّينَ في أَسْطَاعَ يُسْطِيعُ بمعنى: أَطَاعَ يُطِيعُ؛ لِيَكُونَ جَبْرًا لِمَا دَخَلَ الكَلِمَةَ مِن التغييرِ؛ لأنَّ أصلَها أَطْوَعَ يُطْوِعُ.
و (الرَّسْمُ) : الأَثَرُ. (المُعَوَّلُ) يَحْتَمِلُ تفسيريْنِ:
أَحَدُهما: أنْ يكونَ (مُعَوَّلٌ) مَوْضِعَ عَوِيلٍ؛ أيْ: بُكَاءٍ، كأنَّهُ قالَ: هلْ عندَ رَسْمِ دارسٍ مِنْ مَبْكَى؟ أُخِذَ من العَوِيلِ، وهوَ الصِّيَاحُ، يُقَالُ: قدْ أَعْوَلُ الرجلُ فهوَ مُعْوِلٌ، إذا فَعَلَ ذلكَ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المرادُ بـ (المُعَوَّلِ) مَوْضِعًا يَنَالُ فيهِ حَاجَتَهُ، كما تقولُ: مُعَوَّلُنَا على فُلانٍ، ومُعَوَّلٌ: مَحْمَلٌ. يقالُ: عَوِّلْ على فلانٍ؛ أيْ: احْمِلْ عليهِ، يقولُ: فَهَلْ يُحْمَلُ على الرسمِ ويُعَوَّلُ عليهِ بعدِ دُرُوسِهِ؟
إنْ قِيلَ: كيفَ قالَ في البيتِ الأوَّلِ: (لم يَعْفُ رَسْمُهَا) ، فأَخْبَرَ أنَّ الرسمَ لم يَدْرُسْ، وقالَ في هذا البيتِ: (فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ) ؟ قيلَ لهُ: في هذا غيرُ قَوْلٍ. قالَ الأَصْمَعِيُّ: معناهُ: قدْ دَرَسَ بعضُهُ ولم يَدْرُسْ كُلُّهُ، كما تقولُ: دَرَسَ كِتَابُكَ؛ أيْ: ذَهَبَ بعضُهُ وبَقِيَ بعضُهُ. وقالَ أبو عُبَيْدَةَ: رَجَعَ فأَكْذَبَ نفسَهُ بقولِهِ: (فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ) ، كما قالَ زُهَيْرٌ:
قِفْ بِالدِّيَارِ التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ بَلَى وغَيَّرَهَا الأَرواحُ والدِّيَمُ
وقيلَ: ليسَ قولُهُ في هذا البيتِ: (فهلْ عندَ رَسْمٍ) مُناقِضًا لقولِهِ: (لم يَعْفُ رَسْمُها) ؛ لأنَّ معناهُ: لم يَدْرُسْ رَسْمُها منْ قَلْبِي، وهوَ في نفسِهِ دارِسٌ، وقَالُوا: أرادَ زُهَيْرٌ في بيتِهِ: قِفْ بالدِّيَارِ التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ مِنْ قَلْبِي، ثُمَّ رَجَعَ إلى معنى الدُّرُوسِ، فقالَ: بلى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ.
7 -كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا ... وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ
(كَدَأْبِكَ) ؛ أيْ: كَعَادَتِكَ، وَرَوَى أبو عُبَيْدَةَ: (كَدِينِكَ) ، والدِّينُ ههنا: الدَّأْبُ والعادَةُ. والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بقولِهِ: (قِفَا نَبْكِ) ، كأنَّهُ قالَ: قِفَا نَبْكِ كَعَادَتِكَ في البُكاءِ، والكافُ في موضعِ نصبٍ، والمَعْنَى: بُكاءً مثلَ عَادَتِكَ. ويَجُوزُ أنْ تكونَ الكافُ مُتَعَلِّقَةً بـ (شِفَائِي) ، ويكونُ التقديرُ: كعَادَتِكَ في أنْ تَشْتَفِيَ منْ أُمِّ الحُويرِثِ.