بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للَّهِ الذي جَعَلَ لغةَ العرَبِ أَحْسَنَ اللغاتِ، والصلاةُ والسلامُ علَى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ المرفوعِ الرُّتبةِ فوقَ سائرِ المخلوقاتِ، وعلَى آلِهِ وصَحْبِه الْمَنْصُوبينَ لإزالةِ شُبَهِ الضلالاتِ، صلاةً وسلامًا دائمينِ مُتلازِمينِ إلَى يومِ تُخْفَضُ فيه أهلُ الزَّيْغِ وتُجْزَمُ وتَنقطِعُ فيه التَّعَلُّقَاتُ. أمَّا بعدُ: فقد سأَلَنِي بعضُ الْمُحِبِّينَ إليَّ، الْمُتَرَدِّدينَ عليَّ، المرَّةَ بعدَ الْمَرَّةِ أنْ أَشْرَحَ مَتْنَ الآجُرُّومِيَّةِ للإمامِ الصنهاجيِّ شَرْحًا لطيفًا؛ يكونُ مُشْتَمِلًا علَى بَيانِ المعنَى وإعرابِ الكلماتِ، وأن أُكْثِرَ فيه مِن الأمْثِلَةِ لَمَّا أنه لم يَقَعْ لها شَرْحٌ علَى هذه الصفاتِ، فتَوَقَّفْتُ مُدَّةً مِن الزمانِ لعِلْمِي أنها كثيرةُ الشُّرَّاحِ حتَّى سَأَلَني عن ذلك مَن لا تَسَعُني مُخالَفَتُه، ووَجَدْتُ كثيرًا مِن المبتَدِئينَ يَسألونَ عن ذلك كثيرًا، فعَنَّ لي أنْ أَشْرَحَها علَى هذا الوجهِ المذكورِ؛ ليكونَ سَببًا للنظَرِ إلَى وجهِ اللَّهِ الكريمِ، ومُوجِبًا للفوزِ لديه بجَنَّاتِ النعيمِ، فقُلتُ طالبًا من اللَّهِ التوفيقَ والهدايةَ لأَقومِ طريقٍ: قالَ المؤلِّفُ:
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ابتدأَ المصنِّفُ بها علَى القولِ بأنها مِن كلامِه اقتداءً بالكتابِ العزيزِ، وعَمَلًا بقولِه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ: (( كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ - أَيْ: حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا - لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِـ [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] : فَهُوَ أَبْتَرُ، أو أَجْذَمُ، أَوْ أَقْطَعُ ) )والمعنَى: ناقصٌ وقليلُ البرَكَةِ، فالأَمْرُ الذي لا يُبْدَأُ بها فهو وإنْ تَمَّ حِسًّا لا يَتِمُّ مَعْنًى. وإعرابُها أن تقولَ:
(باسمِ) : الباءُ: حرفُ جرٍّ، و [اسمِ] : مجرورٌ بالباءِ، وعلامةُ جَرِّه كَسْرَةٌ ظاهِرَةٌ في آخِرِه، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ، تقديرُه: أُؤَلِّفُ، أو نحوُه، وإعرابُه: أُؤَلِّفُ: فعلٌ مضارِعٌ مَرفوعٌ؛ لتَجَرُّدِه من الناصبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِه ضَمَّةٌ ظاهرةٌ في آخِرِه، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ وُجوبًا تقديرُه [أنا] ، هذا إنْ جَعَلْتَ الباءَ أَصْلِيَّةً، وإنْ جَعَلْتَها زَائدةً فلا تَحتاجُ إلَى مُتَعَلِّقٍ تَتَعَلَّقُ به، وتقولُ في الإعرابِ حينئذٍ: الباءُ حرفُ جرٍّ زائدٌ، و [اسمِ] : مبتدأٌ مرفوعٌ بالابتداءِ، وعلامةُ رفْعِه ضَمَّةٌ مُقَدَّرَةٌ علَى آخِرِه، مَنَعَ مِن ظُهورِها اشتغالُ المَحَلِّ بحركةِ حرفِ الجرِّ الزائدِ، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: [اسمُ اللَّهِ مبدوءٌ به] ، فـ [مبدوءٌ] : خبَرُ المبتدأِ مَرفوعٌ به، وعلامةُ رفعِه ضَمَّةٌ ظاهرةٌ في آخِرِه، و [به] : الباءُ حَرْفُ جَرٍّ، والهاءُ ضميرٌ مَبْنِيٌّ علَى الكسرِ في مَحَلِّ جَرٍّ بالباءِ؛ لأنه اسمٌ مَبْنِيٌّ لا يَظْهَرُ فيه إعرابٌ، و [اسمٌ] : مُضافٌ، والاسمُ الكريمُ مُضافٌ إليهِ، وهو مَجْرورٌ وعلامةُ جَرِّه كَسْرَةٌ ظاهِرَةٌ في آخِرِه.
(الرَّحْمَنِ) : صِفةٌ للَّهِ مجرورٌ، وعلامةُ جَرِّه كَسرةٌ ظاهرةٌ في آخِرِه ..
(الرَّحِيمِ) : صفةٌ ثانيةٌ للَّهِ مجرورٌ، وعلامةُ جَرِّه كَسْرَةٌ ظاهِرَةٌ في آخِرِه، وهذا الوجهُ يَجوزُ عَرَبِيَّةً ويَتَعَيَّنُ قراءةً، ويَجوزُ في الرَّحِيمِ: النصبُ والرفعُ علَى جرِّ الرَّحْمَنِ ونَصبِه ورَفْعِه، فهذه سِتَّةُ أوجهٍ تَجوزُ عَرَبِيَّةً لا قراءةً، فالمجرورُ منها نَعْتٌ للَّهِ كما تَقَدَّمَ، والمنصوبُ منها مَنصوبٌ علَى التعظيمِ بفِعْلٍ محذوفٍ، تقديرُه أَقْصِدُ أو نحوُه، وإعرابُه: [أَقْصِدُ] : فعلٌ مضارِعٌ مَرفوعٌ لتَجَرُّدِه مِن الناصبِ والجازِمِ، وَعَلامةُ رفْعِه ضمَّةٌ ظاهِرةٌ في آخِرِه، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تقديرُه: أنا، و [الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ] : بالنصْبِ: مَنصوبانِ علَى التعظيمِ بذلك الفِعْلِ الْمُقَدَّرِ، وعلامةُ نَصْبِهما فتحةٌ ظاهرةٌ في آخِرِهما.
والمرفوعُ منهما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه: [هو الرَّحْمَنُ أو الرَّحِيمُ] ، وإعرابُه: هو ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مُبتدأٌ مَبْنِيٌّ علَى الفتحِ في مَحَلِّ رَفْعٍ؛ لأنه اسمٌ مَبْنِيٌّ لا يَظْهَرُ فيه إعرابٌ، و [الرَّحْمَنُ أو الرَّحِيمُ] : خبَرُ المبتدأِ مَرفوعٌ بالمبتدأِ، وعلامةُ رَفْعِهِ ضمَّةٌ ظاهرةٌ في آخِرِه، فقد عَلِمْتَ أنَّ المنصوبَ منهما مَنصوبٌ علَى التعظيمِ بفِعْلٍ محذوفٍ، وأنَّ المرفوعَ منهما مَرفوعٌ علَى أنه خبرٌ لمبتدأٍ