ولهذا قالَ رَبِيعَةُ بنُ أبي عبدِ الرحمنِ المَدَنِيُّ التابِعِيُّ الجليلُ، شيخُ مالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الاسْتِوَاءُ غيرُ مجهولٍ) يعني: معروفٌ معناه أنَّه العلوُّ فوقَ العرشِ، (والكيفُ غيرُ معقولٍ) لا نَعْرِفُ كيفَ اسْتَوَى؛ فعلينا الصمْتُ والكفُّ، (ومِنَ اللَّهِ الرسالةُ) اللَّهُ أَرْسَلَ الرسولَ، (وعلى الرسولِ البلاغُ المبينُ وعلينا التصديقُ) هذا واجِبُنا أنْ نُصَدِّقَ ما جاءَ به الرسولُ، وأنْ نَنْقَادَ له ونَتَّبِعَه، فإذا عَرَفْنَا معناهُ فالحمدُ للهِ، وإنْ لم نَعْرِفْ وَكَلْنَاه إلى اللَّهِ، قلنا: اللَّهُ أعْلَمُ.
وهكذا قولُ مالِكٍ كما يأتي: (الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإيمانُ به واجبٌ) ، وهكذا يُرْوَى عن أُمِّ سَلَمَةَ أمِّ المؤمنينَ رَضِيَ اللَّهُ عنها هذا المعنى، مثلُ ما قالَ رَبيعةُ ومالكٌ، وهكذا القولُ في جميعِ الصفاتِ؛ الرحمةِ والقدرةِ والعلمِ والسمعِ والبصرِ والضَّحِكِ والرضا وغيرِ ذلك، كلُّها معلومةٌ، أما الكيفُ غيرُ معقولٍ، لا نُكَيِّفُ صفاتِ رَبِّنَا، ليسَ عِندَنا علمٌ من ذلك، ولكنْ نُؤْمِنُ بها ونُمِرُّها كما جاءَتْ، وأنَّها حقٌّ، وأنَّها ثابتةٌ للهِ سبحانه وتعالى، على الوجهِ اللائِقِ به جلَّ وعلا، مِن غيرِ تشبيهٍ ولا تعطيلٍ، ولا تَكْيِيفٍ, ولا تمثيلٍ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} إلى غيرِ ذلك.
هذا هو الواجبُ عندَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، أما ما سَلَكَهُ الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ وغيرُهم مِن أهلِ البِدَعِ من التأويلِ والتَّعْطِيلِ، فهو باطلٌ عندَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ.
(6) كلُّ هذا واضحُ المعنى، وأنَّ السَّلَفَ إنَّما أرادُوا إثباتَ المعنى وأنَّه حَقٌّ، ولهذا قالوا: (أَمِرُّوها كما جاءَتْ بلا كيفٍ) وقالوا: (الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ) ، فعُلِم بذلك أنَّهم أرادوا أنَّها صفاتُ حقٍّ، وأنَّها ثابتةٌ، وأنَّ الواجبَ إمرارُها معنًى ولفظًا مِن غيرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ، فقولُه سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ، هذا سَمْعٌ حقيقةً وبصرٌ حَقِيقةً، لكن لا نُكَيِّفُه، ولا نَعْلَمُ كيفِيَّتَه، ولا نُمَثِّلُه بصفاتِ المخلوقينَ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، فهكذا قولُه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، وقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: (( يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ ) ). وقولُه: (( إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا ) ). {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} إلى غيرِ ذلكَ.
المقصودُ: أنَّها صفاتٌ يَجِبُ إثباتُها كما جاءَتْ عن اللَّهِ وعن رسولِه، على الوجهِ اللائِقِ باللَّهِ، من غيرِ تحريفٍ ولا تَعْطِيلٍ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، هذا قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ مِن أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأتباعِهم بإحسانٍ.
(7) وهذا هو الحقُّ، الإمامُ عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي سَلَمَةَ بنِ الْمَاجشُونِ مِن أئمةِ العلمِ والهدَى وأتباعِ التابعينَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وهذا الذي قاله هو الصوابُ وهو الحقُّ الذي دَرَجَ عليه أصحابُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأتباعُهم بإحسانٍ، وهو أنَّ الواجبَ على العالِمِ إثباتُ ما أثْبَتَه اللَّهُ ورسولُه مِن صفاتِ اللَّهِ وأسمائِه، على الوجهِ اللائِقِ باللَّهِ جلَّ وعلا، والإمساكُ عمَّا لم يَرِدْ في الكتابِ والسنَّةِ، فكما أنَّه يَجِبُ عليكَ إثباتُ ما أثْبَتَه اللَّهُ ورسولُه، فيَجِبُ عليك الكفُّ عمَّا لم يَنْطِقْ به اللَّهُ ورسولُه، فالدِّينُ ليسَ بالآراءِ والاسْتِحْسَانَاتِ، ولكنَّه بالنقلِ، فما جاءَ عن اللَّهِ ورسولِه وَجَبَ السمعُ والطاعةُ له والإيمانُ به وإمرارُه، كما جاءَ مِن أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه وشرائعِ دِينِه، وما لم يأتِ في كتابِ اللَّهِ ولا في سنَّةِ رسولِه، فالواجبُ الإمساكُ عنه وألاَّ تقولَ في حقِّ ربِّكَ إلا بعلمٍ وبَصِيرةٍ عن اللَّهِ، أو عن رسولِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
ولَمَّا وَقَعَتِ الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ وغيرُهم مِن أهلِ الكلامِ في هذا البابِ بالخوضِ والآراءِ والاسْتِحْسَانَاتِ وقَعُوا في الباطلِ وخَرَجُوا عن الكتابِ والسنَّةِ، وكَفَّرَهم أهلُ السنَّةِ والجماعةِ، وبدَّعُوهم وضَلَّلُوهم وأنْكَرُوا عليهم وحارَبُوهم؛ بسببِ أنَّهم تكلَّفوا ما لم يُنَزِّلِ اللَّهُ به سُلطانًا، وقالوا على اللَّهِ بغيرِ علمٍ وعلى رسولِه بغيرِ علمٍ, فضَلُّوا وأَضَلُّوا، فالواجبُ الاتِّبَاعُ وعدمُ الخروجِ عمَّا جاءَتْ به الأدلَّةُ الشرعيَّةُ.