الصفحة 15 من 44

الدَّرْسُ التاسِعُ

(1) يعني: أنَّ أهلَ السنَّةِ والجماعةِ هم أولى النَّاسِ بالسَّمْعِيَّاتِ، وهم أوْلَى النَّاسِ بالعقليَّاتِ الصحيحةِ، ولذا كانَ المُنْحَرِفُونَ هم أبعدَ النَّاسِ عن السمع ِ الصحيحِ، وعن العقلِ الصحيحِ، فقد بَاؤُوا بالخَيْبَةِ والخَسَارَةِ في السمعِ والعقلِ، أمَّا أهلُ السنَّةِ والجماعةِ فقد وُفِّقُوا لقَبُولِ الحقِّ الذي جاءَ به السمعُ، وقد وُفِّقُوا أيضًا لِمَا دَلَّ عليه العقلُ الصحيحُ والفِطْرَةُ السليمةُ المُوَافِقَةُ لشرعِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فأولئك الضالُّونَ لا أصَابُوا العقلَ، ولا أصابوا السمعَ، وأما هؤلاءِ المؤمنونَ السالِكونَ مَسْلَكَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد وُفِّقُوا لما حَصَلَ لهم مِن الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه، وما صَحَّ عن اللَّهِ وعن رسولِه، وقد أصابوا الفِطْرَةَ السليمةَ، والعقلَ الصحيحَ؛ فإنَّ القاعدةَ الشَّرعيةَ: أنَّ العقولَ الصحيحةَ والفِطَرَ السليمةَ لا تُخَالِفُ النقولَ الصحيحةَ، بل هما متوافقانِ.

(2) أبو عَمروٍ الأَوْزَاعِيُّ: أحدُ الأئِمَّةِ الكِبارِ، وهو عالِمُ الشَّامِ، وإليه المَرْجِعُ في زمانِه، كانَ يقولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كنَّا نقولُ , والتابعونَ مُتَوَافِرُونَ - لأنَّه أدْرَكَ جَمْعًا كبيرًا مِن التابعينَ - إنَّ اللَّهَ جلَّ وعلا فَوْقَ العرشِ. أي: نُؤْمِنُ بذلكَ ونُقِرُّ بأنَّه فوقَ العرشِ فوقَ جميعِ المخلوقاتِ، سبحانه وتعالى، ومعَ هذا نُؤْمِنُ بما ثَبَتَ بالسُّنَّةِ مِن صفاتِه سبحانه، كما نُؤْمِنُ بما جاءَ به القرآنُ مِن صفاتِه جلَّ وعلا، فما جاءَ في القرآنِ مِن عِلْمِه وحِكْمَتِه ورَحْمَتِه وعُلُوِّه واسْتِوَائِه على عرشِه، كلُّه حقٌّ، وهكذا ما جاءَتْ به السنَّةُ مِن الأحاديثِ الصَّحيحةِ؛ لأنَّ الوحيَ الثانيَ كالوحيِ الأوَّلِ، السنَّةُ هي الوحيُ الثاني، والوحيُ الأوَّلُ هو القرآنُ، وهو الأصلُ، فما جاءَتْ به السنَّةُ الصحيحةُ فهو مثلُ ما جاءَ في القرآنِ، يَجِبُ الإيمانُ به وإثباتُه وإقرارُه واعتقادُه والدعوةُ إليه والذَّبُّ عنه.

(3) وهؤلاء أئِمَّةُ الدنيا في زمانِهم: مالكٌ في المدينةِ، والثورِيُّ في الكوفةِ، والأَوْزَاعِيُّ في الشامِ، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ في مِصْرَ، وهم أئِمَّةُ زَمَانِهم وعلماءُ زَمَانِهم في الثِّقَةِ والروايةِ والفقهِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، قالوا: أَمِرُّوها كما جاءَتْ بلا كيفٍ. يعني: آمِنُوا بها كما جاءَتْ عن اللَّهِ وعن رسولِه مِن غيرِ كيفٍ، لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَها إلا هو سبحانه وتعالى.

لهذا قالَ مالكٌ لما سُئِلَ عن الاستواءِ قالَ: (الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ) . هكذا جاءَ عن رَبِيعَةَ شَيْخِه، وأمِّ سَلَمَةَ أمِّ المؤمنينَ، وهكذا قالَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ المِصْرِيُّ، وسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، والأَوْزَاعِيُّ، وإسحاقُ بنُ رَاهُويَهْ، بعدَه أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، وسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ وغيرُهم مِن أئمةِ الإسلامِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، كلُّهم على هذا الطريقِ، يَجِبُ أنْ تُمَرَّ آياتُ الصفاتِ وأحادِيثُها كما جاءَتْ مِن دونِ تأويلٍ ولا إلحادٍ، بل تُمَرُّ كما جَاءَتْ، معَ الإيمانِ بأنَّها حقٌّ، وأنَّها صفاتٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ تَلِيقُ به سبحانه، لا يُشَابِهُه فيها خَلْقُه جلَّ وعلا، كما قالَ سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

(4) مقصودُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنَّ الواجِبَ السيْرُ على مَنْهَجِ السَّلَفِ الصالِحِ، الذين تَابَعُوا نَبِيَّهُم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واسْتَقَامُوا على طريقِه، وهم الصحابةُ، فالواجبُ الأخذُ بما قالوا والسيرُ على مَنْهَجِهم في جميعِ الشؤونِ في إثباتِ الصفاتِ وتَنْزِيهِ اللَّهِ عن مُشَابَهَةِ خَلْقِه، وفي اتِّبَاعِ الشريعةِ وتعظيمِ أمرِ اللَّهِ ونَهْيِه، وفي غيرِ هذا مِن شؤونِ الدِّينِ؛ لأنَّهم كانوا على الهُدَى المستقيمِ، فمَن سارَ على نَهْجِهِم , واسْتَقَامَ على طَرِيقِهِم فهو المُهْتَدِي، ومَن حادَ عن سبيلِهم، واتَّبَعَ غيرَ سَبِيلِهم مِن أصحابِ البِدَعِ والأهواءِ وَلاَّهُ اللَّهُ ما تَوَلَّى وأصْلاَهُ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصِيرًا. نَسْأَلُ اللَّهَ العافِيَةَ.

(5) وهذا هو الواجبُ على أهلِ العلمِ والإيمانِ؛ فإنَّ اللَّهَ جلَّ وعلا بَعَثَ نَبِيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرِّسالةِ والبلاغِ، فالواجبُ على الأمَّةِ التصديقُ والقَبُولُ، فما فَسَّرَه لهم رَسُولُهم فَسَّرُوه، وما كَفَّ عنه كَفُّوا عنه، وما جَهِلُوه قالوا: اللَّهُ أعْلَمُ. فلا يَجُوزُ لهم التعَنُّتُ والتكَلُّفُ في شيءٍ ممَّا جاءَتْ به السنَّةُ، ولا بلَّغَهُم إيَّاه الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت