الدرسُ الثامنُ
(2) يعني: هذا ما آلَتْ إليه، هذه حَقِيقَتُها بَرَزَتْ أنْ سَجَدَ له أبواهُ وسَجَدَ لهُ إِخْوَتُهُ، {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} جاءَ تَأْوِيلُها، يعني: حَقِيقَتُها بعدَما تَوَلَّى الأمرَ، ودَخَلُوا عليه، وسَجَدُوا له، هذا تأويلُها.
(3) وهكذا قولُه جلَّ وعلا: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} تأويلُه: ما يُشَاهِدُهُ النَّاسُ يومَ القيامةِ مِن الجزاءِ والحسابِ، ونَصْبِ المِيزانِ ونَشْرِ الصُّحُفِ، ثم دُخُولِ الجنَّةِ أو دخولِ النَّارِ، وهذا تأويلُ ما أخْبَرَ به اللَّهُ جلَّ وعلا.
(1) والتأويلُ ثلاثةُ أقسامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ المؤلِّفُ مِن اصْطِلاَحِ المُتَكَلِّمِينَ، وهو صَرْفُ اللَّفْظِ عن ظاهِرِهِ الراجِحِ إلى المَرْجُوحِ؛ لدليلٍ يَقْتَرِنُ بذلك، وهذا أحْدَثَه أهلُ الكلامِ، ثم نَسَفُوا ما في كتابِ اللَّهِ، وفي كلامِ رسولِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فهذا أحْدَثُوه وجَرُّوا به الآياتِ والأحاديثَ إلى أهوائِهِم ومُرَادَاتِهِم.
القسمُ الثاني: تفسيرُ الكلامِ بما دَلَّ عليه السياقُ، ودَلَّ عليه المعنى، ودَلَّتْ عليه الأدِلَّةُ، سواءٌ وَافَقَ ظاهِرَه أو لم يُوافِقْ ظاهِرَه مِن بعضِ الوجوهِ، لكنَّه دَلَّتْ عليه الأدلَّةُ، فهذا هو تفسيرُ الكلامِ، مثلَ ما قالَ ابنُ جَرِيرٍ: القولُ في تأويلِ قولِه تعالى كذا وكذا. وهو تفسيرُ الكلامِ بما يَتَبَيَّنُ مِن سياقِ الكلامِ أو مِن مجموعِ الأدلَّةِ.
والتأويلُ الثالثُ: الحقائقُ التي أخْبَرَ اللَّهُ عنها، يعني: ما يَؤُولُ إليه الكلامُ مِن الحقائقِ، فتأويلُ الرُّؤْيَا: ما يَقَعُ منها في الخارِجِ، وتأويلُ ما أخْبَرَ اللَّهُ به يومَ القيامةِ: ما يَقَعُ يومَ القيامةِ مِن الحسابِ والجزاءِ، وهكذا الجنَّةُ والنَّارُ وغيرُ ذلك.
(4) وهكذا بَقِيَّةُ الصِّفاتِ، فالكيفيَّةُ مِن التأويلِ الذي يَعْلَمُه اللَّهُ وَحْدَه، أما تفسيرُ الآياتِ التي فيها الصفاتُ فمعلومٌ للرَّاسخِينَ في العلمِ، معلومٌ لأهلِ الإيمانِ والعِلْمِ بلغةِ العربِ، فالسميعُ معلومٌ تأويلُه، وأنَّه الذي سَمِعَ الأصواتَ، والبَصَرُ رؤيةُ الأشياءِ، والعلمُ كالخِبْرَةِ بالأشياءِ والإحاطةِ بها، والقدرةُ ضدُّ العَجْزِ، هذه معانٍ معلومةٌ، وهكذا اليَدُ والوجهُ والقَدَمُ، كلُّ هذه صِفَاتٌ مَعْلُومَةٌ، لكن لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَها إلا هو سبحانه وتعالى.
فصفاتُ اللَّهِ وأسماؤُه معلومةُ المعاني، لكن لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَها إلا هو جلَّ وعلا، ولهذا قالَ مالكٌ ورَبِيعَةُ وأمُّ سَلَمَةَ والسَّلفُ بعدَهم: (الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإِيْمَانُ به واجِبٌ، والسؤالُ عنه بِدْعَةٌ) ، وهكذا يُقالُ: السمعُ معلومٌ، والبصرُ معلومٌ، واليَدُ معلومةٌ، والوجهُ معلومٌ، والإيمانُ بذلك واجبٌ، والكيفُ مجهولٌ، وهكذا بقيَّةُ الصفاتِ؛ الضَّحِكُ والرِّضا والغَضَبُ، الغضبُ معروفٌ , ضِدُّ الرضا، والرضا معروفٌ أنَّهُ ضِدُّ الغَضَبِ، ولكن لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ رِضَاهُ سبحانه وتعالى، ولا كَيْفِيَّةَ غَضَبِه إلاَّ هو جلَّ وعلا، لكنْ مَعْرُوفٌ ما يَنْتُجُ عن الغضبِ مِن العقوباتِ والنِّقْمَاتِ، وما يَنْتُجُ عن الرضا مِن الرحمةِ والإحسانِ والإكرامِ، إلى غيرِ ذلكَ.
(5) وهكذا يَنْبَغِي، فلولا أنَّه يُفْهَمُ , وله معنًى يُفْهَمُ، لَمَا قالوا: فتَعَلَّمْنَا العلمَ والعملَ جميعًا. فمعانيها التي خُوطِبْنَا بها وأُمِرْنَا بتَدَبُّرِها والعملِ بها معلومةٌ، كما نَعْرِفُ معنى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ} {وَآتُوا الزَّكَاةَ} {وَاتَّقُوا اللَّهَ} {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، وما أشْبَهَ ذلك، فأشياءُ - مثلَ ما قالَ ابنُ عبَّاسٍ - تُعْرَفُ من لغةِ العربِ، وأشياءُ يَعْرِفُها الراسخونَ في العلمِ، وأشياءُ لا يُعْذَرُ أحدٌ بجَهَالَتِها، كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ وغيرِ ذلك.
والنوعُ الرابعُ هو الذي لا يَعْلَمُه إلا اللَّهُ سبحانه وتعالى كعِلْمِ الغيبِ، وكيفيَّةِ الصفاتِ.