الصفحة 75 من 83

إن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم أقوام آمنوا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًَّا ًرسولًا، فأمرهم أقوامهم وقبائلهم بالتنازل عن هذا الدين، فأبوا الرجوع إلى الكفر بعد الإسلام، والعودة للظلمة بعد النور، فعذبهم أقوامهم وقهروهم، فأذن لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة فهاجروا وتركوا ديارهم وأموالهم، فسموا بالمهاجرين، فما أعظم تضحيتهم وما أحسن بلاءهم في الإسلام، فمدحهم الله تعالى فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8] .

وقوم آمنوا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا رسولًا، فقدموا تضحيات لهذا الدين، ففتحوا صدورهم لإخوانهم المهاجرين قبل بلادهم وبيوتهم، وآووا إخوانهم المهاجرين، وقاسموهم المال والدار فسموا بالأنصار، فأثنى عليهم رب العزة فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] .

أخي القارئ: لا شك أن الأمة الإسلامية لن تعدم هذا الخير، لاسيما في زمن غلبة الكفار وتسلطهم، فإن أمر المهاجرين والأنصار سوف يبرز مرة أخرى حتى يعود الإسلام إلى مكانته الماضية، وحتى تكون كلمة الله هي العليا.

والقاعدة اليوم تراهم بفضل الله ينقسمون إلى مهاجرين وأنصار، فإذا قرأت في السيرة النبوية أو سمعت ذكر المهاجرين والأنصار، واشتاقت نفسك لرؤية واقع عملي يقتدي بآثارهم ويسير على نهجهم، فعليك بالمجاهدين فهم أفضل واقع عملي يترجم حياة المهاجرين والأنصار.

فيا أخا الإيمان: لا تظن هذه مجازفات، ولا حبرًا على ورق، ولا أقلام يطلق لها العنان، لكنها والله الحقيقة، فإن القاعدة اليوم فيها مهاجرون وأنصار.

فيها مهاجرون تركوا النعيم، فمنهم من كان يعيش في البيت الجميل، والمركب الحسن، والعيش الرغيد والملبس الأنيق، وتراه اليوم ينام في الخيام، ويركب الحمار، ويأكل العيش المتواضع ويلبس اللباس الرثّ، ومع ذلك فهو شوكة في حلوق الطغاة، وفي سعادة لا يعلم بها إلاّ الله، وقد زرتُ بعضهم فوجدتهم يصنعون طعامهم أحيانًا على الجمر، فلله درّكم يا مهاجرين، لله درّكم يا من أحييتم آثار أبي بكر الصديق، وثبات عمر، وتضحية عثمان وبأس علي -رضي الله عنهم جميعًا-.

وفيهم أنصار سلكوا الجهاد، فباعوا دنياهم لدينهم، فجعلوا الدين في قلوبهم والدنيا في أيديهم، فانقلب أمنهم إلى خوف، وسياحتهم إلى حصار، وتشرفت بلادهم وبيوتهم بأن تكون مأوى للمهاجرين.

وإذا كنا نقرأ في السيرة عن تضحية الأنصار للمهاجرين، فإننا اليوم نرى الأنصار مثالًا حيًا للاقتداء بالأنصار الأولين.

يا أنصار الإسلام: كم نكنُّ لكم من الحب والاحترام والتقدير، عندما نراكم تجودون بأفضل ما تملكون لإخوانكم المهاجرين؛ لنصرة هذا الدين.

كم لكم من الأجور وأنتم تعرِّضون أهاليكم وأولادكم للخطر، حفاظًا على حياة إخوانكم المهاجرين والأنصار الآخرين، فلله دركم أيها الأنصار، فكم ذكرتمونا بكرم أبي أيوب، وثبات السعدين -رضي الله عنهم جميعًا-.

ومما أحب أن أقول لك يا أخا الإيمان، يا من قد تمعَّر وجهك يومًا في سبيل الله، يا من ذكر عزّ الإسلام في الماضي وذلّ أهله في الحاضر فذرفت عيناه، يا من سمع بأن اليهود والنصارى احتلوا بلادنا، يا من يرى الطواغيت أبعدوا شريعة الله وحاربوا المجاهدين، يا من أثّر ذلك في قلبه فأرّق نومه، أقول لك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت