الصفحة 72 من 83

لو نظرنا إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لرأينا أنهم كانوا يتعلمون مع الحدث، فكانوا يعانون من الاضطهاد والتعذيب بمكة، فكانت الآيات تتنزل بالصبر والثبات على هذا الدين، وتحكي لهم ما تعرض له أنبياء الله من القهر والتعذيب، فتثلج صدورهم، ويزداد ثباتهم، وهكذا لما هاجروا إلى المدينة، عرف الصحابة بأن منهم مهاجرين وأنصار، وكان القرآن الكريم يتناول هذه الألفاظ ويثني عليها لما تحمل من معانٍ عظيمة، وعندما ضرب المهاجرون أروع الأمثلة بخروجهم من ديارهم وأموالهم، وحياتهم على الفقر في سبيل الله، أثنى الله عليهم فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} .

ولما ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الكرم والأُخوَّة، وفتحوا صدورهم قبل بلادهم وقاسموهم في الأموال، أثنى الله عليهم بقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] .

وهكذا عندما خاضوا معركة (بدر) تنزلت الآيات، وهكذا (أُحد) ، و (الخندق) ، و (الفتح) ، و (حنين) وغيرها، فكان الصحابة يتعلمون مع الحدث، فيكون أبلغ في الفهم، وأبلغ في الثبات على الدين.

والقاعدة اليوم -بفضل الله- يتعلمون مع الحدث، فلا يتعلمون علمًا نظريًا بعيدًا عن الحدث كما يتعلمه البعض! فعندما يتعلمون أن الصحابة قد ابتلوا في سبيل الله فمنهم من قُتل شهيدًا ومنهم من أسر ومنهم من يعيش خائفًا على دينه، فهم لذلك منهم من قتل ومنهم من أسر ومنهم من يعيش خائفًا.

ولما تعلموا أن الصحابة -رضي الله عنهم- خرجوا من ديارهم مهاجرين، تجد في القاعدة مهاجرين يقاسون من ألم الهجرة وكذلك الأنصار، ومن يتعلم مع الحدث خير ممن يتعلم نظريًا، وتوضيح ذلك انظر إلى هذين الرجلين:

أ- الرجل الأول: تعلم من سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما فيها من الجهر بكلمة الحق والابتلاء، والهجرة والنصرة، والإعداد والجهاد، وفراق الأحبة بالقتل والأسر، ثم طبق ذلك عمليًا، فكان يجهر بكلمة الحق وابتُلي وأعدَّ وجاهد وفارق الأحبة.

ب- الرجل الثاني: درس السيرة النبوية نظريًا، ولم يجهر بكلمة الحق، ولم يتعرض يومًا من الأيام للابتلاء الذي هو الابتلاء الحقيقي، ولم يعد ولم يجاهد، ولم يرَ مهاجرين ولا أنصار، هل ترى أن الرجلين سواء؟!!.

هيهات هيهات، فقل لي بربك: أيهما أسعد بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ اسأل نفسك لعل الله يوفقك للإجابة.

ما أجمل العلم مع الحدث، وما أجمل ذوق الأدلة مع العيش معها عمليًا، فعندما تسمع حديث:"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بِشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصُّحف"، فعندما تسمع هذا الحديث وأنت في حالة حرجة لا شك أنه سيكون له وقع في نفسك مما وأنت تكون في غاية الأمان، وكذلك عندما تسمع هذه الآية: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173] ، ما أجمل سماع هذه الآية في كل وقت وحين، ولاسيما وأنت عندما تسمعها تسمع الأعداء يعدون العدة للهجوم على المجاهدين وأنت في حالة استنفار، وكذلك قول الله عز وجل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23] ، ما أجمل أن تسمع هذه الآية وأنت ترى المجاهدين وهم يُقتلون شهداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت