الصفحة 26 من 83

إن قاعدة المصالح والمفاسد قاعدة معتبرة مجمع عليها، ولكنها ضخمت في هذه الأزمان؛ وبسبب استعمالها في غير محلها عطلت كثير من أحكام الشريعة، فقبل الخوض في المصالح والمفاسد لابد من الاتفاق على الأصول، فإن كان المخالف يعترف بأن القوانين الوضعية كفر، وبأن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر فهذا موافق في الأصول نتناقش معه في التنزيل والمصالح والمفاسد، وإن كان المخالف لا يعتقد أن القوانين الوضعية كفر، وكذلك لا يعتقد أن موالاة ومظاهرة الكفار على المسلمين كفر فنقول: خلافنا معك في الأصول فلا نقاش في التنزيلات ولا في المصالح ولا في المفاسد، وأما الموافق لنا في الأصول فنقول: إن استتباب الأمن ورغد العيش لمن يحكمون بالقوانين الوضعية هو المفسدة بعينه؛ لأنهم على الكفر ويعيشون بلا جهاد، والقتال ضد العدو ينال منك وتنال منه خير من استتاب الأمن له على الكفر فتأمل!!!.

وقد رأيت القاعدة تجاهد الحكام المرتدين وتعلن البراءة منهم، بينما البعض يراهم مرتدين ومع ذلك لم يعلن المنابذة والبراءة منهم؛ بحجة مصلحة الدعوة.

وبعض قاصري النظر يشنع على المجاهدين لأجل الدماء، وينسى أن الشرك موجود، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} ، فحقيقةً أن هؤلاء لم يستشعروا المشكلة، فمشكلة عدم تحكيم الشريعة أعظم من أن تراق الدماء، وكما قال سليمان بن سحمان رحمه الله: [لئن يقتتل أهل الحاضرة والبادية حتى يتفانوا أهون، ولا أن ينصبوا طاغوتًا يحكم بغير ما انزل الله] .

ويقول سيد قطب رحمه الله: [ولقد تتحول مصلحة الدعوة إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل, إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها، ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطرًا على الدعوة وأصحابها، فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيرًا أو قليلًا، والله أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين، إنما هم مكلفون بأمر واحد ألا ينحرفوا عن المنهج وألا يحيدوا عن الطريق] ا. هـ.

فباسم المصالح والمفاسد ارتكب المحرمات، ونادى بترك الجهاد ودخل في سلك العملية الديمقراطية، وباسم المصالح والمفاسد طعن في المجاهدين، وباسم المصالح والمفاسد فَقَدت الأدلة الشرعية هيبتها، وباسم المصالح والمفاسد تم تقديم العقل على النقل، وحصلت البدع وخُذل المسلمون، وينبغي التفريق بين المصالح والمفاسد الشرعية المعتبرة، وبين المفاسد والمصالح الشخصية المأمور بالتضحية بها من أجل ضرورية الدين.

فالحذر الحذر من خدعة إبليس، فباسم المصالح والمفاسد تم التردد من قبل بعض الجماعات الإسلامية على السفارة الأمريكية، وباسمها عُقدت المؤتمرات مع الأديان الأخرى لتمييع قضية الولاء والبراء، وعُقدت المؤتمرات مع الرافضة الذين يقال لهم اليوم بأنهم إخوانٌ لنا في العقيدة بعدما قيل لهم بالأمس كفارًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أما القاعدة -وليس وحدها- فمذهبها من ذلك واضحٌ جلي والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت