إن تحقيق النصر بطرد المستعمر والمرتد باستعادة حكم الله في الأرض، وتحقيق الغاية التي من أجلها أنزل الله القرآن، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 105] ، إن تحقيق كل ذلك لابد له من مراعاة السنن الشرعية والسنن الكونية، فلا بد من حجة وبيان، وسيف وسنان.
فأما اتباعهم للسنن الشرعية: فجهادهم قام على العلم الشرعي من حيث مشروعيته وفضله وإحيائه في قلوب الناس، فامتثلوا لأوامر الله بالنفير للجهاد في زمن كثر فيه المخذّلون والمخالفون، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] .
فنرى أن القضاة والمسؤولين الشرعيين يذهبون للجهاد، واعلم أن من يسلك منهج الجهاد عملًا يكون عنده من العلم بأحكامه ما ليس عند كثير ممن هو من أهل العلم ممن لم يتشرفوا بطريق الجهاد، وقد سمعت الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يذكر استفادته من الشيخ أسامة في بعض المسائل العلمية في الجهاد مع الفارق بين علمهما في الجملة، وقد أخبرني بعض أهل العلم أنه بعد سلوكه منهج المجاهدين أن الله فتح له من العلم والمعرفة في أحكام الجهاد ما لم يكن يعرفه من قبل، حتى ولو قد مرت عليه هذه المسائل.
إذًا فهم بفضل الله منضبطون بأحكام الجهاد، سواء الحرب، أو السلم، أو الغنائم، أو الأمن وقد يحصل الخطأ، وقد حصل كما أسلفنا من بعض الصحابة.
وأما أخذهم للسنن الكونية: فهي أن قيام الدول والتمكين لا يكون إلا من خلال القوة وسنة التدافع، حتى الدول الديمقراطية قامت بعد حروب أكلت الأخضر واليابس.
واعلم أن هذه السنة الكونية وهي اتخاذ القوة لم تنخرم، حتى أن رسول الله صل الله عليه وسلم أخذ بها فأقام دولته الإسلامية في المدينة بالأنصار والمهاجرين المسلحين.
وأما [منهج جماعات كف الأيدي يتجنب جمع الأنصار المسلحين؛ بحجة أن ذلك سيؤلب عليهم الأنظمة الطاغوتية، مما يعرض مكتسبات دعوتهم للخطر"زعموا"!! ويتجنب الهجرة إلى بلاد أو أرض أو جبال بها أنصار وتؤمن التدريب على الجهاد؛ حتى لا يُتهموا أنهم يسعون لتقويض دولة الطواغيت!! وتحت حجة أنهم لا يريدون أن يفرغوا الديار من الدعاة"زعموا"وهم بذلك خالفوا السنة الشرعية بالمرحلة المكية التي هي سنة كونية أيضًا] انظر كتاب إدارة التوحش ص (98) .
فاعلم رعاك الله أن الذي يريد النصر وهو مقتصر على جانب العلم والتربية فقط فلن يحققه؛ لأنه خالف سنة القوة والدفع وهي سنة شرعية وكونية أيضًا.
كذلك لن يحقق النصر من أراد إقامة دولة الإسلام بصناديق الاقتراع، والواقع خير شاهد على ذلك؛ لأن ذلك خلاف السنة الكونية فتنبه.
فلماذا نترك الطريق النبوي المنصوص عليه وهو الجهاد؟ فقد يقول قائل: نتركه لأننا ضعفاء. فنقول: فالضعف ليس مسوغا لترك العلاج النبوي بل لابد من البحث عن الأسباب لتقويته؛ لأننا لا ننتصر بغيره، فمن أراد أن يحكم الكتاب والسنة فلا بد له من هذين الأمرين: الحجة والتبيان والسيف والسنان، قرآن يهدي وسيف ينصر، قال الله سبحانه وتعالى: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31] ، فإذا أردنا الاقتصار على جانب العلم والتربية فحسب فلن نستطيع تحكيم الشريعة؛ لأننا خالفنا