وأما عدم وضوح معناها، وصعوبة تفسيرها، وتعسُّر شرح المراد منها، لانغلاق حقيقته على المدارك في ذلك الوقت، ولكثرة فروعه وتشعبها، ففهمه يحتاج إلى استقراء وتأمل، وبحث ودراسة.
ولكن هذا مردود بما بيناه سابقًا حيث أثبتنا أن معنى الأحرف والمراد منها كان معلومًا لدى الصحابة، ومن الضروري أن يكون معلومًا لدى الأمة، حتى تتحقق الحكمة من الرخصة. ومن السخف بمكان: أن ندّعي أن المراد لم يكن معلومًا لدى الصدر الأول من الأمة، وهم أعمق فهمًا، وأكثر علمًا بما أنزل، ثم يأتي أناسٌ بعد ذلك بمئات السنين فيكشفون عن المراد، لذلك ترجَّح لدي ـ والله أعلم ـ أنهم سكتوا عن تفسير معنى الأحرف لوضوحه لديهم وكونه لا يحتاج تفسير.
والحاجة إنما وقعت في بداية الأمر إلى إزالة ما وقع في نفوسهم من شبهة وقوع التناقض والاضطراب في كتاب الله عزوجل، إذ كانوا قد أَلِفُوا وضعًا سابقًا ـ هو كون القرآن منزَّلًا على وجهٍ واحدٍ ـ فلما فُجِئُوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ أوجهًا متعددة متغايرة، توهموا أن هذا التغاير والاختلاف يتنافى مع بلاغة القرآن، وتماسك أسلوبه، ويشكل خللًا وتناقضًا فيه، وربما وسوس لبعضهم الشيطان بالشك في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوهم اختلاط الأمر عليه، أو كذبه، فأزال النبي صلى الله عليه وسلم هذه الخواطر والشبهات العارضة بأمرين: