الخلق لهدايتهم وإرشادهم ليدلّوهم على خالق الخلق جلّ وعلا وليرشدوهم إلى مراضي مولاهم تعالى وتقدّس ولا شكّ أنّ مثل هذا التّوجّه إلى الخلق الذي مقصودهم منه تخليصهم عن رقّيّة ما سواه تعالى أفضل من ذلك التّوجّه إلى الحقّ سبحانه لاجل نفسه. مثلا: إذا كان شخص مشغولا بذكر الله تعالى فظهر في ذلك الاثناء ضرير وفي طريقه بئر بحيث لو رفع قدمه لوقع فيها ففي هذه الصّورة: هل الافضل لهذا الشّخص الذّكر أو تخليص الضّرير من البئر ولا شكّ أنّ تخليص الضّرير أفضل من الذّكر فإنّ الله تعالى غنيّ عنه وعن ذكره والضّرير عبد محتاج ودفع الضّرر عنه ضروريّ خصوصا إذا كان مأمورا بهذا التّخليص ففي هذا الوقت تخليصه عين الذّكر لكونه امتثال أمره في الذّكر أداء حقّ واحد وهو حقّ المولى جلّ شأنه وفي تخليص المأمور به أداء حقّين حقّ العبد وحقّ المولى تعالى بل يكاد يدخل الذّكر في ذلك الوقت في المعصية فإنّ الذّكر ليس بمستحسن في جميع الاوقات بل في بعض الاوقات يستحسن عدم الذّكر كما أنّ الإفطار في الايّام المنهيّة وترك الصّلاة في الاوقات المكروهة أفضل من الصّوم والصّلاة (ينبغي أن يعلم) أنّ الذّكر عبارة عن طرد الغفلة بأيّ وجه يتيسّر لا أنّ الذّكر مقصور على تكرار كلمة النّفي والإثبات أو على تكرار اسم الذّات كما زعم فكلّ ما هو من امتثال الاوامر والانتهاء عن النّواهي كلّه داخل في الذّكر والبيع والشّراء مع مراعاة الشّروط ذكر وكذلك النّكاح والطّلاق مع مراعاة شروطهما ذكر فإنّ الآمر والنّاهي جلّ سلطانه حين مباشرة هذه الامور مع مراعاة شروطها نصب عين مباشرها فلا يكون فيها مجال للغفلة ولكنّ الذّكر الواقع باسم المذكور وصفته سريع التأثير ومورث لمحبّة المذكور وقريب الإيصال إليه بخلاف الذّكر الواقع من طريق امتثال الاوامر والإنتهاء عن النّواهي فإنّه قليل النّصيب من هذه الصّفات وإن وجدت هذه الصّفات في بعض الأفراد الذين ذكرهم بامتثال الاوامر والانتهاء عن المناهي الشّرعيّة على سبيل النّدرة. قال حضرة الخواجه النّقشبند - قدّس سرّه - إنّ حضرة مولانا زين الدين التّايباديّ - قدّس سرّه - وصل إلى الحقّ سبحانه من طريق العلم وأيضا إنّ الذّكر الذي يقع باسم المذكور وصفته وسيلة للذّكر الذي يحصل بمراعاة الحدود الشّرعيّة فإنّ مراعاة الاحكام الشّرعيّة في جميع الامور غير ميسّرة بدون محبّة تامّة لناصب الشّرع وهذه المحبّة التّاميّة مربوطة بذكر اسمه وصفته تعالى فلا بدّ الذّكر أوّلا من ذلك الذّكر حتّى يحصل بسببه هذا الذّكر ومعاملة العناية أمر آخر ليس هناك شرط ولا وسيلة الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ (1) . (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ وراء هذه المعاملات الثلاث الطّريقة والحقيقة والشّريعة معاملة أخرى مختصّة بالآخرين يمكن أن يقال: «أن لا اعتداد بتلك المعاملات في جنب هذه المعاملة ولا اعتبار وما حصل في مرتبة الحقيقة ممّا له تعلّق بالإثبات فهو صورة هذه المعاملة وهذه المعاملة حقيقة تلك الصّورة مثل صورة شريعة حاصلة في الإبتداء لمرتبة العوامّ وبعد حصول الطّريقة والحقيقة تتيسّر حقيقة تلك الصّورة. ينبغي التّخيّل والتّأمّل: إذا كانت
(1) الشورى: 13