فإنّهم وجدوا على قدر ما ظهر لهم من عالم الغيب اللهمّ أرنا حقائق الاشياء كما هي وها نحن نبيّن أوّلا مذهب الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ قدّس سرّه فإنّه إمام متأخّري الصّوفيّة ومقتداهم في هذه المسألة ثمّ نحرّر ما ظهر لنا في هذا الباب وانكشف ليحصل الفرق بين المذهبين على الوجه الاتمّ ولا يختلط أحدهما بالآخر من الدقّة. قال الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ وأتباعه: «إنّ أسماء الواجب وصفاته جلّ وعلا عين ذات الواجب سبحانه وكذلك بعضها عين بعض الآخر مثلا: العلم والقدرة كما أنّهما عين ذاته تعالى كذلك كلّ منهما عين الآخر أيضا فلا يكون في ذلك الموطن اسم التّعدّد والتّكثّر ورسمه أصلا ولا التّمايز والتّباين قطعا"غاية ما في الباب: أن تلك الاسماء والصّفات والشّئون والاعتبارات حصل لها التّمايز والتّباين في حضرة العلم إجمالا وتفصيلا فإن كان التّمايز إجماليّا يعبّر عنه بالتعيّن (1) الأوّل وإن تفصيليّا يسمّي بالتّعيّن الثاني ويسمّون الاوّل وحدة ويرونه الحقيقة المحمّديّة ويقولون للتّعيّن الثاني واحديّة (2) ويظنّونه حقائق سائر الممكنات ويسمّون حقائق الممكنات أعيانا ثابتة ويثبتون هذين التّعيّنين العلميّين في مرتبة الوجوب ويقولون"إن تلك الاعيان ما شمّت رائحة من الوجود الخارجيّ ولا موجود في الخارج غير الاحديّة المجرّدة أصلا وهذه الكثرة الّتي ترى في الخارج إنّما هي عكس تلك الاعيان الثابتة انعكست في مرآة ظاهر الوجود (3) الذي لا موجود في الخارج غيره وعرض لها الوجود التّخيّليّ (4) كما أنّ صورة شخص إذا انعكست في المرآة يعرض لها وجود تخيّليّ في المرآة» .
وهذه الصّورة المنعكسة ليس لها وجود الّا في التّخيّل ولم يتحلّل في المرآة ولم ينتقش في وجهها شيء أصلا فإن كان الإنتقاش فهو في التّخيّل حيث يتوهّم أنّه في وجه المرآة وحيث كان هذا المتخيّل المتوهّم صنع الحقّ جلّ سلطانه الذي له إتقان تامّ لا يرتفع برفع الوهم والخيال ويترتّب عليه الثواب والعذاب الابديّان وهذه الكثرة الموهومة المتخيّلة في الخارج منقسمة على ثلاثة أقسام:
(1) التعين: هو ما به امتياز الشيء عن غيره بحيث لا يشاركه فيه غيره. انظر: الجرجاني: التعريفات: 87.
(2) الواحدية: إعتبار الذات من حيث انتشاء الاسماء منها وواحديتها بها مع تكثرها بالصفات. الكاشاني: معجم إصطلاحات الصوفية: 73.
(3) مرآة الوجود: هي التعينات المنسوبة إلى الشئون الباطنة التي صورها الأكوان؛ فإن الشئون باطنة والوجود المتعين بتعيناتها ظاهر فمن هذا الوجه كانت الشئون مرايا للوجود الواحد المتعين بصورها. الكاشاني: 102.
(4) الوجود التخيلي: هو وجود الخيال في عالم الطبيعة ويمثلون له بقصة الجوهري وما كان من أمره أنه: «خرج بالعجين من بيته إلى الفرن وكانت عليه جنابة فجاء إلى شط النيل ليغتسل فرأى - وهو في الماء - مثل ما يرى النائم كأنه في بغداد وقد تزوج وأقام مع المراة ست سنين وأولدها أولادا غاب عني عددهم ثم رد إلى نفسه وهو في الماء ففرغ من غسله وخرج ولبس ثيابه وجاء إلى الفرن وأخذ الخبز وجاء إلى بيته وأخبر أهله بما أبصره في واقعته فلما كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى أنه تزوجها في الواقعة تسأل عن داره فلما اجتمعت به عرفها وعرف الأولاد وما أنكرهم وقيل له متى تزوج؟ فقال: منذ ست سنين وهؤلاء أولادها مني. فخرج بالحس ووقع في الخيال. ابن عربي: الفتوحات المكية: / 82