الصفحة 7 من 9

و من واظب على ذلك، فلن يدّخر وسعًا في السعي إلى نيل مناه، و ربّما دَفعه حبّ الشهادة و التطلّع إليها، إلى أن يجود بنفسه في عمليّة يغلب على ظنّه أن تُقِلّه إلى مراتب الشهادة في سبيل الله، ليلقى ربّه محبًا للقائه، روى الشيخان و الترمذي و النسائي و أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ، و حاشاه تعالى أن يُخلف وعده، أو يكره لقاء عبدٍ جاد بنفسه في سبيله تعالى.

و لا أزعم - يا عباد الله - في هذه العجالة إجماعًا على مشروعية الاقتحام و التغرير بالنفس للإنكاء بالعدو و ما يقاس عليها من عمليات الاستشهاديين، بل المسألة خلافيّة، و تقدّم عرض الإمام القرطبي لقول المخالف فيها، و ذهابه مذهب الجمهور في القول بمشروعيتها و جواز الإقدام عليها.

و من أهل العلم المعاصرين من له في المسألة قولان كعلامّة نجد الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله، و ما أحد قوليه بأولى من الآخر إذ إنّّّه يبني حكمه على مراعاة المصالح و المفاسد، فقد سُئل [في اللقاء الشهري العشرين] عن شابًّ مجاهد فجّر نفسه في فلسطين فقتل و أصاب عَشرات اليهود، هل هذا الفعل يعتبر منه انتحارًا أم جهادًا؟ فأجاب بقوله: (هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل، أول من يقتل نفسه، فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، و لا تجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، فلو كانت هناك مصلحة كبيرة ونفع عظيم للإسلام، كان ذلك جائزًا) .

فانظر - رحمك الله - كيف راعى المصالح في حُكمه، و بنى على تحقيق مصلحة كبيرةٍ و نفع عظيم للإسلام قوله (كان ذلك جائزًا) ، و اضبط بهذا الضابط سائر كلامه و فتاواه و إن كان ظاهرها التعارض، فإن الجواب بحسب السؤال، و الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره.

و مثل هذا الكلام يقال عن موقف محدّثِ الديار الشاميّة العلامّةِ الألباني رحمه الله، و قد تعرّض رحمه الله إلى تطاول السفهاء و المتعالمين فنسبوا إليه زورًا و بهتانًا أنّه حكم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت